القرية المصرية تستعيد دورها.. من انتظار الفرص إلى صناعة المستقبل
- «القرية المنتجة».. ألف مجمع صناعي بحلول 2030 تعيد الحياة إلى الريف المصري وتفتح أبواب الأمل أمام ملايين الأسر
- كيف يمكن لمشروع «القرية المنتجة» أن يغير مستقبل الريف ويوفر فرص عمل للشباب والمرأة؟
- نقل التنمية إلى مرحلة جديدة عنوانها فرص العمل وتحسين الدخول وإحياء الحرف والصناعات الريفية
- مشروع يراهن على الإنسان قبل المصانع ويستهدف تحويل المهارات الريفية إلى فرص عمل واستثمار
- حلم القرية التي لا يغادرها شبابها بحثًا عن العمل.. كيف تصنع المجمعات الصناعية مستقبلًا جديدًا للريف المصري بحلول 2030؟
توقفت طويلًا أمام الحديث عن مشروع «القرية المنتجة»، الذي يستهدف إنشاء مجمعات صناعية في ألف قرية مصرية بحلول عام 2030، تنفيذًا لتوصيات منتدى مصر 2026.
وربما يبدو الخبر للوهلة الأولى مجرد إعلان عن مشروع تنموي جديد، يضاف إلى قائمة طويلة من المشروعات والمبادرات التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية، لكنني أراه من زاوية مختلفة تمامًا.
أراه حديثًا عن مستقبل الإنسان المصري الذي يعيش في الريف، وعن حقه في أن يجد فرصة عمل كريمة بالقرب من بيته، وعن شباب القرى الذين اعتادوا أن ينظروا إلى المدينة باعتبارها الطريق الوحيد لتحقيق أحلامهم.
وأراه أيضًا محاولة لإعادة الاعتبار إلى القرية المصرية، التي كانت يومًا ما مركزًا للإنتاج والعمل، قبل أن تتحول تدريجيًا، في كثير من المناطق، إلى مجتمع يعتمد على ما يأتيه من خارج حدوده أكثر مما ينتجه بيديه.
وأعتقد أن أخطر ما تعرضت له القرية المصرية خلال العقود الماضية لم يكن نقص الخدمات وحده، رغم أهميتها، وإنما تراجع دورها الاقتصادي، وتحول أعداد كبيرة من أبنائها من منتجين إلى مستهلكين، ومن أصحاب حرف ومهن ومشروعات صغيرة إلى باحثين عن وظائف لا تتوافر بالقدر الكافي.
لقد عرفت القرية المصرية عبر تاريخها الطويل قيمة العمل والإنتاج، وكانت البيوت نفسها وحدات اقتصادية صغيرة، تنتج الغذاء وتصنع بعض احتياجات الأسرة، وتشارك النساء فيها بدور أساسي في تربية الطيور وصناعة المنتجات الغذائية والحرف اليدوية.
وكان الفلاح لا ينظر إلى الأرض باعتبارها مجرد مصدر للدخل، وإنما باعتبارها جزءًا من هويته وكرامته واستقلاله.
لكن التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع بعض الحرف التقليدية، دفعت أجيالًا متعاقبة إلى البحث عن فرص خارج القرية، حتى أصبح السفر إلى القاهرة أو المدن الكبرى، وأحيانًا إلى الخارج، حلمًا يراود كثيرًا من الشباب.
ولذلك فإن فكرة إنشاء مجمعات صناعية في ألف قرية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد توسع في إقامة المباني والمصانع، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومكانه، وبين العمل والحياة، وبين التنمية والعدالة الاجتماعية.
فالقرية التي تنتج هي قرية تستطيع أن تحتفظ بشبابها، وأن تمنح أبناءها أسبابًا حقيقية للبقاء، وأن تفتح أمام المرأة الريفية أبوابًا أوسع للمشاركة الاقتصادية.
وهي أيضًا قرية يمكن أن تسهم في تخفيف الضغط عن المدن، وتقليل الهجرة الداخلية، وتحريك الأسواق المحلية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
لكن تحقيق هذه النتائج لن يحدث بمجرد إنشاء مجمع صناعي أو تخصيص مساحة من الأرض، وإنما يحتاج إلى رؤية متكاملة تبدأ من فهم طبيعة كل قرية، وما تمتلكه من موارد ومهارات وخبرات، وما يمكن أن تقدمه من منتجات قادرة على المنافسة.
في تقديري، أن الخطأ الذي ينبغي تجنبه هو التعامل مع القرى المصرية باعتبارها نسخًا متشابهة، يمكن تطبيق نموذج اقتصادي واحد عليها جميعًا.
فهناك قرى تمتلك خبرات متوارثة في صناعة الأثاث، وأخرى تشتهر بالصناعات الغذائية، وثالثة تتميز بالحرف اليدوية أو المنتجات الزراعية، وقرى يمكن أن تتحول إلى مراكز للتعبئة والتغليف أو التصنيع الزراعي.
ومن هنا فإن نجاح مشروع القرية المنتجة يتوقف على قدرتنا على اكتشاف الميزة النسبية لكل منطقة، ثم تحويل هذه الميزة إلى نشاط اقتصادي منظم، يمتلك أدوات الإنتاج الحديثة، ويحصل على التمويل والتدريب والتسويق اللازم.
فليس المطلوب أن نقيم مصنعًا لمجرد أن لدينا أرضًا متاحة، وإنما أن نؤسس مشروعًا يستطيع أن يعيش وينمو ويحقق أرباحًا ويوفر وظائف حقيقية، دون أن يتحول بعد سنوات قليلة إلى مبنى مغلق أو معدات لا تجد من يستخدمها.
وأرى أن العنصر الإنساني يجب أن يحتل الموقع الأول في هذا المشروع، لأن التنمية لا تبدأ بالخرسانة والآلات، وإنما تبدأ بالإنسان القادر على استخدامها.
وأتخيل شابًا من إحدى قرى الصعيد، أنهى تعليمه ولم يجد فرصة عمل مناسبة، فاضطر إلى ترك أسرته والسفر إلى القاهرة بحثًا عن وظيفة متواضعة، يتحمل من أجلها تكاليف السكن والمواصلات والغربة.
هذا الشاب يمكن أن تتغير حياته إذا وجد داخل قريته مشروعًا إنتاجيًا يوفر له تدريبًا جيدًا ودخلًا مناسبًا وفرصة للتطور المهني.
وأتخيل سيدة ريفية تمتلك مهارة في صناعة المنتجات الغذائية أو المشغولات اليدوية، لكنها لا تستطيع الوصول إلى الأسواق أو توفير رأس المال اللازم لتوسيع نشاطها.
هذه السيدة قد تتحول إلى صاحبة مشروع ناجح إذا وجدت من يساعدها على تطوير منتجها وتغليفه وتسويقه.
وهنا يصبح الحديث عن القرية المنتجة حديثًا عن أسر تستعيد استقرارها، وعن شباب يستعيدون الثقة في المستقبل، وعن نساء يحصلن على فرص أوسع للاستقلال الاقتصادي والمشاركة في بناء مجتمعاتهن.
ولكنني أعتقد أن التحدي الأكبر لن يكون في إنشاء المجمعات الصناعية، وإنما في ضمان استمرارها ونجاحها.
فقد شهدنا عبر سنوات طويلة تجارب لمشروعات صغيرة ومتوسطة بدأت بحماس كبير، ثم واجهت صعوبات في التمويل أو الإدارة أو التسويق، وانتهى بعضها إلى التوقف.
ولذلك فإن مشروعًا بهذا الحجم يحتاج منذ البداية إلى منظومة واضحة تشمل دراسات الجدوى، والتدريب الفني والإداري، وتوفير الخامات، وربط المنتجين بالأسواق، ومتابعة جودة المنتجات، وقياس النتائج بصورة دورية.
والأهم من ذلك أن تكون هناك جهة مسؤولة عن التنسيق بين مختلف الأطراف، بحيث لا يجد صاحب المشروع نفسه مضطرًا إلى التعامل مع عشرات الإجراءات والجهات للحصول على ترخيص أو تمويل أو فرصة لتسويق إنتاجه.
وهنا أرى أهمية الربط بين مشروع القرية المنتجة والمبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، التي أسهمت في تطوير البنية الأساسية والخدمات في العديد من القرى المصرية.
فبعد أن تصل المياه والصرف الصحي والطرق والخدمات إلى المواطن، يصبح من الطبيعي أن ننتقل إلى مرحلة أخرى، يكون عنوانها توفير فرص العمل وتحسين الدخل.
ومن الجيد أن تتضمن التصورات المطروحة الاستفادة من الأصول والمنشآت غير المستغلة، وإعادة توظيفها في أنشطة إنتاجية مناسبة، لأن حسن استغلال ما نمتلكه قد يكون في بعض الأحيان أكثر أهمية من بناء منشآت جديدة.
وأعتقد أن الجمع بين تحسين مستوى الخدمات وتوسيع النشاط الاقتصادي يمكن أن يحدث تحولًا حقيقيًا في حياة الأسر الريفية، بشرط أن يسير المساران معًا، وأن يشعر المواطن بأن التنمية انعكست على قدرته على العمل والإنفاق وتوفير حياة أفضل لأبنائه.
ولا يمكنني الحديث عن مستقبل القرية المنتجة دون التوقف أمام أهمية التكنولوجيا الحديثة، التي أصبحت قادرة على منح المشروعات الصغيرة فرصًا لم تكن متاحة من قبل.
فلم يعد الوصول إلى الأسواق مقصورًا على الشركات الكبرى، ولم يعد التسويق يحتاج بالضرورة إلى مكاتب ضخمة أو ميزانيات هائلة.
يستطيع المنتج الريفي اليوم، إذا حصل على التدريب المناسب، أن يعرض منتجاته عبر المنصات الإلكترونية، وأن يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في تصميم العبوات وإعداد المواد التسويقية ودراسة احتياجات العملاء وتحسين إدارة مشروعه.
ومن هنا أتمنى أن يتضمن المشروع برنامجًا حقيقيًا للتأهيل الرقمي، يجعل شباب القرى شركاء في تسويق إنتاجها وتطويره، بدلًا من الاكتفاء بتدريبهم على الجوانب التقليدية للإنتاج.
فالمنافسة في الأسواق الحديثة لا تعتمد على جودة المنتج وحدها، وإنما تعتمد أيضًا على القدرة على تقديمه بصورة جيدة، والوصول إلى المستهلك المناسب، والاستجابة السريعة للتغيرات في الطلب.
واللافت للنظر أن مشروع القرية المنتجة يمكن أن يفتح بابًا مهمًا أمام القطاع الخاص للمشاركة في التنمية الريفية، لكن هذه المشاركة يجب أن تقوم على مصالح اقتصادية واضحة ومتوازنة، تضمن للمستثمر فرصة عادلة للربح، وتحفظ لأبناء القرى حقوقهم في العمل والدخل المناسب.
وأتصور أن من الممكن بناء شراكات بين المجمعات الصناعية والشركات الكبرى، بحيث تتولى المشروعات الريفية إنتاج بعض المكونات أو المنتجات التي تحتاج إليها المصانع والأسواق، وفق معايير محددة للجودة والتوريد.
كما يمكن تشجيع التعاونيات الإنتاجية التي تجمع أصحاب المشروعات الصغيرة وتساعدهم على شراء الخامات بأسعار أفضل وتسويق منتجاتهم بصورة جماعية.
فالمشروع الصغير قد يعجز بمفرده عن مواجهة تقلبات السوق، لكنه يصبح أكثر قدرة على الاستمرار عندما يعمل ضمن منظومة اقتصادية منظمة.
وأرى كذلك أن نجاح المبادرة يحتاج إلى معايير واضحة وشفافة لقياس النتائج.
فلا يكفي أن نعلن في عام 2030 أننا أنشأنا مجمعات صناعية في ألف قرية، وإنما ينبغي أن نعرف كم مجمعًا يعمل بالفعل، وكم فرصة عمل وفرها، وما حجم الإنتاج الذي يحققه؟ وكم أسرة تحسن دخلها؟ وما نسبة المنتجات التي استطاعت الوصول إلى أسواق خارج نطاق القرية؟ هذه المؤشرات هي التي ستحدد القيمة الحقيقية للمشروع، وهي التي ستكشف مبكرًا عن المشكلات التي تحتاج إلى تدخل أو تصحيح.
وأعتقد أن نشر هذه النتائج بصورة دورية سيمنح المواطنين ثقة أكبر في المشروع، ويشجع المستثمرين على المشاركة فيه، ويجعل المجتمعات المحلية أكثر حرصًا على حماية ما يتحقق من إنجازات.
إنني أنظر إلى القرية المصرية باعتبارها جزءًا أصيلًا من شخصية هذا الوطن، وأؤمن بأن مستقبل التنمية في مصر لا يمكن أن يكتمل إذا ظل الريف مجرد مصدر للعمالة أو سوق لاستهلاك المنتجات القادمة من المدن.
فالعدالة في توزيع فرص التنمية تقتضي أن يجد الإنسان في قريته ما يساعده على بناء مستقبله، وأن يشعر بأن مكان ميلاده لا يحدد سقف طموحه أو فرص نجاحه.
وإذا نجحنا في تحويل القرى إلى مراكز إنتاج حقيقية، فإننا لن نكون قد أضفنا مشروعات جديدة إلى الخريطة الاقتصادية فحسب، بل سنكون قد ساعدنا في تغيير نظرة أجيال كاملة إلى العمل والحياة والمستقبل.
وأعود في النهاية إلى ذلك الشاب الذي غادر قريته بحثًا عن فرصة عمل، وإلى تلك الأم التي تتمنى أن ترى أبناءها يعملون بالقرب منها، وإلى ذلك الحرفي الذي يخشى أن تختفي مهنته لأنه لم يجد من يتعلمها أو يطورها.
هؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقيون في مشروع القرية المنتجة، وهم المقياس الذي ينبغي أن نحكم من خلاله على نجاحه.
وأتمنى أن يأتي عام 2030 وقد أصبحت لدينا قرى لا يضطر شبابها إلى مغادرتها بحثًا عن أبسط مقومات الحياة، وقرى تحمل منتجاتها أسماءها إلى الأسواق المصرية وربما العالمية، وقرى يشعر أهلها بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة مستقبل بلدهم.
ففي تقديري، أن أعظم ما يمكن أن تحققه التنمية هو أن تمنح الإنسان فرصة كريمة للعمل، وأن تعيد إليه ثقته في قدرته على الإنتاج، وأن تجعله يشعر بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، وهو يعيش على الأرض التي ولد ونشأ عليها.

- الطب
- الشباب
- القري
- قائمة
- مصنع
- خالد الطوخى يكتب
- استقرار
- النساء
- المصري
- قرار
- الفن
- فلم
- حماس
- المشروعات
- اجتماع
- حكم
- تحقيق
- الطرق
- تنفيذ
- وكرا
- وظائف
- اكتشاف
- التنمية
- نشاط
- انشاء
- اقتصاد
- المرأة
- شاب
- مبادرة
- اول
- تنفي
- غلق
- نقل
- الاول
- شخص
- داخل
- منطقة
- يعتمد
- سوق
- طريق
- مدينة
- البحث
- مركز
- برنامج
- صرف
- روح
- الريف المصري
- القطاع الخاص
- عدن
- مؤشرات
- الأولى
- عامل
- فرص عمل
- يوم
- سرت
- درة
- الاقتصاد
- العالم
- مشروع
- قري
- مصر
- كرة
- القاهرة
- مطروح
- خالد الطوخى


