« طبول الحرب الملعونة».. كيف يدير مهندسو الخراب سباق الدمار.. ومن يوقف طوفان الجحيم؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- ماذا تفعل القاهرة في وجه عواصف الإقليم ومؤامرات الممرات المحترقة؟

يا سادة، ويا أصحاب العقول في هذا الشرق الذي لا ينام.. إن العالم بكل تعقيداته الكبرى لا يدار أبداً بالنوايا الطيبة والأماني العذبة، بل يصاغ على وقع البارود المحتدم في المدافع ولغة الذهب الخالص المكدس في الخزائن.

لقد انقشعت غيوم ما يسمونه في واشنطن «الثلاثاء الكبير»، ذلك العرس الديمقراطي الزائف الذي تتحكم في خيوطه أصابع خفية خلف البحار، وصناديق اقتراع لا تبحث البتة عن سلام البشر أو سعادتهم، بل تلهث خلف صفقات السلاح المليارية وأصوات جماعات الضغط واللوبيات.

لقد ظن العبيد في واشنطن أن مجرد تغيير وجه سياسي أو ترجيح كفة حزب في الكونجرس سيبدل وجه الأرض أو يغير حقائق الجغرافيا، فإذا بالمنطقة العربية برمتها وخليجنا المشتعل يجدان أنفسهما فجأة على حافة الهاوية، حيث الخياران أحجار مرصوفة في طريق مظلم: إما حرب كبرى تفتح أبواب الجحيم وتأكل الأخضر واليابس، وإما تسويات خبيثة تحاك بليلٍ على حساب عظام الشعوب المنهكة.

إن السياسة في قاعها الحقيقي ليست سوى قصة حب فاشلة وطويلة بين طموح بشري مريض وشهوة سلطة عمياء تستشبعها كثرة.

هؤلاء الساسة المرابطون في عواصم الغرب لا يهمهم أبداً إن جاع طفل بريء في ربوع الخليج العربي أو احترقت ناقلة نفط في مياه البحر الأحمر، هم لا يبحثون سوى عن واجهة براقة أو شاشة عرض لتسويق بضاعتهم الانتخابية، حتى ولو كانت تلك البضائع مدفوعة الثمن من أشلاء الأبرياء ودماء الشعوب المستضعفة.

إنهم يتعاملون مع الشرق وكأنه مطعم مفتوح بلا رواد، وأن ممراته المائية الدولية مجرد طاولات قمار رخيصة لتسوية حساباتهم الإمبراطورية الضيقة.

إن حركة التاريخ وإدارة العالم لا تعترف أبداً بالفراغ، والقرارات الإستراتيجية التي تتخذ على عجل في جنبات البيت الأبيض وتنفذ بقسوة القاذفات الإستراتيجية في مياه الخليج وباب المندب، ليست أبداً وليدة الصدفة البحتة، بل إنها هندسة صراع طويل الأمد تهدف في جوهرها إلى خنق شرايين طهران المالية بحصار بحري صارم أعاد توجيه مئات السفن التجارية، لكنهم بوقاحتهم السياسية واستهتارهم الإستراتيجي هذا يضعون المنظومة العالمية كلها على صفيح ساخن، ويهددون أسواق الطاقة والنفط العالمية بأسعار جنونية ومفزعة لا تحتملها بحال عواصم الغرب قبل الشرق.

وبلا رتوش مزيفة، وبلا لغة دبلوماسية باردة وممجوجة، فإن الحقائق الراهنة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، فهناك محاولة سافرة ووقحة لابتزاز أمننا القومي العربي وتدويل ممراتنا المائية الحيوية التي كانت عبر التاريخ شرايين حياة للبشرية جمعاء.

إن مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس العظيمة ليست شوارع خلفية مهملة في إمبراطوريتهم المزعومة، بل هي خطوط حمراء قاطعة تمس رغيف الخبز ولقمة عيش ملايين البشر.

إن اللعبة أعمق بكثير من مجرد مناوشات سياسية عابرة، إنها حرب اقتصادية شرسة تدار بالبارود والنار والدماء.

واقرأوا صفحات التاريخ بوعي وفحص جيدين، فذات اللعبة الخبيثة تتكرر بحذافيرها منذ قرن من الزمان، حيث تخلق القوى الإمبريالية الأزمات تلو الأزمات ثم تهرع لتبيع لك دواءها الوهمي المسكن.

يظنون واهمين أننا سنقبل يوماً أن نكون مجرد ممثلين صامتين في مسرحية هزلية رديئة تعرض على خشبة المسرح الأمريكي، لكنهم ينسون في غمرة غرورهم أن الشعوب الحية تمتلك مناعة تاريخية نادرة تجعلها قادرة دوماً على قلب الطاولة على رأس الساحر ومساعديه.

اصحوا يا ناس، وتأملوا ملياً، فالرهان على الخارج مهما كان براقاً هو رهان خاسر سلفاً، ومن يضع بيضه كله في سلة العم سام أو غيره يكتشف متأخراً بعد فوات الأوان أنه كسر بيضه وحطم سلته بنفسه.

إن القوة الحقيقية والدائمة لا تنبع إلا من هنا، من جبهتنا الداخلية الصلبة، ومن تماسك الدولة الوطنية العريقة وصلابة مؤسساتها الوطنية الراسخة.

وفي اللحظة ذاتها التي كان فيها العالم أجمع مشدود الأعصاب يتابع قرع طبول الحرب المدوية، كانت القاهرة ترد على لغة التصعيد بطريقتها العملية الخاصة، حيث جرى طرح القرن في البورصة المصرية بقيمة ضخمة تجاوزت 36 مليار جنيه.

هذه الأرقام ليست مجرد بيانات مالية صماء، بل هي صفعة مدوية على وجه كل مشكك وكل متربص بخراب هذا الوطن، ورسالة ثقة قاطعة بأن مصر تولد دوماً من رحم التحديات العظام عملاقاً حضارياً لا يقهر ولا تنكسر شوكته.

إننا لا نبيع الكلام الجميل في سوق النخاسة السياسية، ولا نقبل أبداً أن تحول الأقدار مصر إلى مجرد ممر أو معبر لخيانات الصغار.

مصر ليست مجرد بقعة جغرافية عابرة على خريطة العالم الصماء، مصر هي نبض الكون وواحة التاريخ، ولو أراد العابثون إشعال الكون كله ناراً ودماراً، فستبقى القاهرة الأبدية هي صمام الأمان الحقيقي الذي ينطفئ عنده لهيب الحقد والخراب.

فلنكن صرحاء إلى أبعد حدود الصراحة بلا نفاق اجتماعي وبلا شعارات جوفاء، نحن نواجه اليوم عالماً أعمى يقوده في كثير من الأحيان ساسة مجانين لا يرون سوى مصالحهم اللحظية الضيقة.

ولكن وسط هذا الضباب والجنون المطبق، تبرز بوضوح ساطع عبقرية البقاء المصري، إذ أن جولات الرئيس السيسى المكثفة بين العواصم المؤثرة ليست مجرد رحلات بروتوكولية مألوفة، بل هي مناورة سياسية بالغة الدقة والذكاء تفكك الاستقطاب الدولي المعقد وتقول لجميع الفرقاء بصوت عالٍ: إن مصر ليست في جيب أحد، ولن تكون تابعة لأي إرادة أجنبية مهما كانت قوتها.

إنها سياسة استقلالية القرار وحماية المصالح الذاتية العليا بقوة الفكر والقوة الذكية معاً، لترسم ببراعة ملامح الدور المصري كقوة توازن إقليمية رئيسية ورقم صعب لا يمكن تجاوزه بحالٍ في أي معادلة تصاغ لشرق أوسط جديد.

إن الانفتاح الواعي على الشرق والامتداد المتوازن نحو العمق الأوروبي يعكسان بصدق استقلالية القرار السياسي المصري وقدرته الفائقة على المناورة في فضاءات دولية متعددة ومتشابكة.

 فمصر لا تضع أوراقها أبداً في سلة واحدة ، بل تبني باقتدار شبكة معقدة من المصالح المشتركة المتبادلة التي تحمي أمنها القومي الإستراتيجي وتوفر لها هوامش حركة واسعة ومرنة لترتيب أوراق الإقليم المبعثرة.

هذه التحركات الدبلوماسية الدءوبة لا تستهدف فقط جلب الاستثمارات الأجنبية ودعم عجلة الاقتصاد الوطني، بل تسعى بالأساس إلى خلق جبهة دولية عريضة تؤمن إيماناً راسخاً بالحلول السياسية السلمية وترفض تماماً سياسات فرض الأمر الواقع بقوة السلاح والجبروت العسكري، وهو ذاته النهج الذي يمنح القاهرة ثقلاً استثنائياً كصوت حقيقي للعقل والحكمة في محيط إقليمي يموج بالاضطرابات والعواصف والتصعيد غير المحسوب.

وعلى الجانب المقابل تماماً، يقدم الداخل المصري اليوم نموذجاً ملهماً وفريداً في كيفية مواجهة الأزمات الخارجية الطاحنة عبر تعزيز البنية الاقتصادية الداخلية وتعميق مسار الإصلاح الهيكلي الشامل.

إن النجاح الباهر للطرح المالي الضخم في البورصة المصرية وفي هذا التوقيت الحساس بالذات، يمثل صفعة قوية ومتجددة لكل المراهنين على اهتزاز الدولة المصرية أو تأثر استقرارها بالأزمات والحرائق المحيطة بها من كل جانب.

هذا النجاح المالي الكبير هو الثمرة الطبيعية لجهود مضنية وثبات إستراتيجي لا يلين في تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي الجريئة، وهو يبعث برسالة طمأنة بالغة الأهمية للداخل ورسالة ثقة قوية للخارج مفادها أن مصر قادرة تماماً على توليد الفرص وتحقيق معدلات نمو قوية ومستدامة حتى في أصعب الظروف والتقلبات الجيوسياسية العالمية.

إن هذه الثنائية الفريدة المتناغمة بين الحسم الدبلوماسي الحكيم في الخارج والبناء التنموي الصلب في الداخل هي السر العميق الحقيقي وراء قدرة الدولة المصرية على الصمود الأسطوري والتحول السريع إلى مركز إقليمي وعالمي لجذب الاستثمارات في وقت تبحث فيه رؤوس الأموال عن الملاذات الآمنة المستقرة.

يا سادة، لقد بلغت الأمور ذروتها الخطيرة، وانتهى زمن الكلام الإنشائي وبدأت الجدية المطلقة.

إن ما بعد مرحلة "الثلاثاء الكبير" لن يكون أبداً كما قبلها، فالمنطقة بأسرها تمشي حافية القدمين فوق صفيح ساخن يوشك أن يحرق الأقدام، والمغامرات العسكرية الرعناء ستجلب حتماً الخراب الشامل على الجميع بلا استثناء.

ولكن طالما أن في هذا الشرق عقولاً تحرس بوعي، وقاهرة تقود بحكمة، وجيشاً باسلًا يحمي بتراب الوطن، وشعباً عظيماً يصنع من قلب الصخر أملاً ومستقبلاً، فلن تنجح رياح الشياطين أبداً في اقتلاع جذورنا الراسخة في عمق التاريخ.

وستبقى القاهرة دائماً وأبداً هي الكلمة الأخيرة، والعنوان الأوحد، والطرف الأهم الذي لا يمكن تجاوزه بأي حالٍ في أي معادلة تكتب لصناعة سلام هذا العالم أو ضمان سلامته.

 إن صياغة مستقبل الشرق الأوسط الحقيقي يجب أن تنطلق حصرياً من داخل الإقليم وبأيدي أبنائه المخلصين ، وعبر تعزيز مفهوم الدولة الوطنية الحديثة ومؤسساتها الشرعية في مواجهة أوهام الميليشيات ومشاريع التمدد الإقليمي الطائفي.

إن الوعي الإستراتيجي يفرض علينا اليوم ألا ننظر أبداً تحت أقدامنا، بل أن نقرأ بتبصر تحولات الغد بعيون مصرية خالصة، تؤمن يقيناً بأن المبادرة كانت –ولاتزال- وستبقى دائماً في يد من يملك القوة الذكية، والقدرة الخلاقة على البناء، والرؤية الثاقبة لحماية مقدرات الأمة العربية وصون أمنها القومي من أي تهديد غاشم.

الصفحة الثانية من العدد رقم 487 الصادر بتاريخ 5 نوفمبر 2026
الصفحة الثانية من العدد رقم 487 الصادر بتاريخ 5 نوفمبر 2026
تم نسخ الرابط