صابر سالم يكتب: تطور السياحة في مصر.. مسيرة ممتدة بين الأصالة والتجديد

تُعد السياحة في مصر واحدة من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، وأحد أبرز مصادر الدخل القومي والعملات الأجنبية، فضلًا عن كونها واجهة حضارية تعكس عراقة الدولة المصرية وتاريخها الممتد عبر آلاف السنين.
وعلى مر العقود، شهد قطاع السياحة في مصر تطورًا ملحوظًا يجمع بين الحفاظ على التراث التاريخي والفرعوني الفريد، وبين مواكبة متغيرات السوق العالمية من حيث الخدمات، والبنية التحتية، والتسويق السياحي.
هذا التطور لم يأتِ صدفة، بل هو نتاج خطط وإستراتيجيات متعاقبة هدفت إلى تنويع المنتج السياحي وتوسيع قاعدة الزوار، بما يتماشى مع مكانة مصر كأحد أهم المقاصد السياحية في العالم.
عرفت مصر السياحة منذ عصور مبكرة، إذ كانت المعابد والآثار الفرعونية تجذب الرحالة والمستكشفين الأجانب منذ قرون، وهو ما أسس مبكرًا لوعي عالمي بأهمية مصر كمتحف مفتوح للتاريخ. ومع بدايات القرن العشرين، تطورت صناعة السياحة في مصر مع ظهور الفنادق الكبرى مثل فندق "مينا هاوس" المطل على الأهرامات، واستقبال القاهرة والإسكندرية أعدادًا متزايدة من السياح الأوروبيين الباحثين عن الدفء في الشتاء ومشاهدة عجائب الحضارة القديمة.
ومع مرور الوقت، أخذت الدولة المصرية على عاتقها تنظيم هذا القطاع عبر إنشاء مؤسسات رسمية وتطوير تشريعات تنظم عمل الشركات والفنادق، وتضع السياحة ضمن أولويات خطط التنمية.
وقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين طفرة نوعية في حركة السياحة إلى مصر، خاصة مع توسع شبكات الطيران العالمية، وازدياد الاهتمام الدولي بالآثار المصرية القديمة.
وأصبحت الأهرامات وأبو الهول ووادي الملوك في الأقصر ومعابد الكرنك وأبو سمبل أيقونات سياحية عالمية. في الوقت نفسه، برزت مناطق جديدة على الخريطة السياحية مثل منتجعات شرم الشيخ والغردقة على البحر الأحمر، التي جذبت ملايين السياح بفضل شواطئها الخلابة وأنشطتها البحرية المتنوعة.
كما ساهم افتتاح المتاحف الكبرى وتجديد البنية التحتية للفنادق في تعزيز مكانة مصر كمقصد رئيسي يجمع بين التاريخ العريق والترفيه العصري.
في العقود الأخيرة، أدركت الدولة المصرية أن المنافسة العالمية في قطاع السياحة تقتضي تطوير الخدمات وتوسيع نطاق العروض السياحية.
فإلى جانب السياحة الثقافية المرتبطة بالآثار، برزت أنماط جديدة مثل السياحة البيئية، والسياحة العلاجية، والسياحة الرياضية، وسياحة المؤتمرات. كما اهتمت الحكومة بتشجيع الاستثمارات في المنتجعات السياحية، وتطوير المطارات، وتحسين شبكات الطرق لربط المدن السياحية الكبرى ببعضها البعض.
وقد انعكس ذلك في زيادة القدرة الاستيعابية للقطاع السياحي، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للسائحين بما يتوافق مع المعايير الدولية.
ورغم التحديات التي واجهت السياحة المصرية في بعض الفترات نتيجة للظروف الإقليمية أو الأزمات الاقتصادية العالمية، فإن هذا القطاع أثبت مرونته وقدرته على التعافي السريع.
فعقب فترات التراجع، عادة ما تعود السياحة إلى معدلات نمو متقدمة بفضل مقومات مصر الفريدة التي لا يمكن أن تتوافر في أي مكان آخر.
وقد كان لتبني إستراتيجيات ترويجية حديثة، عبر الحملات الدعائية العالمية، والاستعانة بوسائل الإعلام الدولية وشخصيات مؤثرة، أثر بالغ في استعادة ثقة الأسواق المصدرة للسياحة، وتشجيع السائحين على زيارة مصر مجددًا.
ومن أبرز مظاهر التطور في السياحة المصرية خلال السنوات الأخيرة الاهتمام بإحياء المتاحف وتطويرها بما يتناسب مع الطفرة العالمية في العرض المتحفي. ويأتي "المتحف المصري الكبير" كنموذج بارز لهذا التوجه، حيث يُعد أكبر متحف للآثار في العالم، ويمثل مشروعًا حضاريًا يواكب أحدث التقنيات في العرض والتوثيق.
كما جرى تطوير متحف الحضارة بالفسطاط ليكون مركزًا رئيسيًا للتعريف بتاريخ مصر عبر العصور، وخاصة في أعقاب موكب المومياوات الملكية الذي لفت أنظار العالم إلى القاهرة وقدم صورة حضارية مشرقة عن مصر.
إلى جانب ذلك، شهدت مناطق سياحية مثل الأقصر وأسوان مشروعات ترميم كبرى للمعابد والمقابر الأثرية، ما أعاد لهذه المدن التاريخية رونقها.
وفي المقابل، ازدهرت السياحة الشاطئية مع تطوير منتجعات البحر الأحمر وسيناء، وتقديم أنماط ترفيهية متنوعة مثل الغوص، ورياضات الشراع، والرحلات البحرية.
كما توسعت السياحة الداخلية لتشمل مناطق جديدة مثل واحات الصحراء الغربية وسيوة التي تجمع بين الطبيعة البكر والتراث الثقافي المحلي.
وحرصت الدولة المصرية كذلك على إدخال التكنولوجيا في خدمة السياحة، سواء عبر المنصات الرقمية التي تسهل الحجز والاستعلام، أو من خلال إطلاق تطبيقات افتراضية تسمح للسائح بالتعرف على المواقع الأثرية قبل زيارتها.
كما جرى الاهتمام بملف الاستدامة من خلال مبادرات للحفاظ على البيئة البحرية والشعاب المرجانية، وتطبيق معايير السياحة الخضراء في عدد من الفنادق والمنتجعات.
وقد أسهم ذلك في تعزيز صورة مصر كوجهة سياحية لا تقتصر على التاريخ، بل تهتم أيضًا بالحاضر والمستقبل.
على الصعيد الاقتصادي، يظل قطاع السياحة أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر، كما يوفر ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
ويؤكد الخبراء أن تطوير هذا القطاع ينعكس بشكل مباشر على قطاعات أخرى مثل النقل، والطاقة، والتجارة، والصناعات التقليدية والحرف اليدوية.
كما أن النشاط السياحي يسهم في تنمية المجتمعات المحلية، حيث تزداد فرص العمل والاستثمار في المناطق السياحية، ويجري الحفاظ على التراث الثقافي المحلي من خلال دمجه في المنظومة السياحية.
أما من الناحية السياسية والدبلوماسية، فإن السياحة تُعتبر أداة فعالة للقوة الناعمة المصرية، إذ تساهم في تحسين صورة الدولة وتعزيز حضورها على الساحة الدولية.
فعندما يزور ملايين السياح مصر سنويًا ويعودون بانطباعات إيجابية، فإن ذلك يشكل أفضل وسيلة للتواصل الحضاري وبناء جسور من التفاهم بين الشعوب.
وقد أدركت القيادة السياسية هذه الحقيقة، فحرصت على أن تكون الفعاليات السياحية الكبرى جزءًا من الدبلوماسية العامة لمصر، بما يرسخ مكانتها كدولة تاريخية معاصرة في آنٍ واحد.
وفي ضوء ما تشهده مصر من مشروعات قومية كبرى وتطوير للبنية التحتية في السنوات الأخيرة، باتت السياحة تستفيد من شبكة طرق حديثة، ومطارات مطورة، وموانئ بحرية مجهزة، إلى جانب مشروعات المدن الجديدة التي تضم فنادق ومنشآت سياحية عصرية.
كما أسهم الاستقرار الأمني والسياسي في تعزيز ثقة الأسواق العالمية وتشجيع شركات الطيران على استئناف رحلاتها المباشرة إلى المدن المصرية.
ويمكن القول في المحصلة إن تطور السياحة في مصر يعكس قدرة هذا القطاع على الجمع بين الأصالة والتجديد، وبين الحفاظ على الهوية التاريخية العريقة والتكيف مع متطلبات السياح المعاصرين.
فمصر التي تحتضن أعظم آثار العالم لا تكتفي اليوم بعرض تاريخها، بل تقدم تجربة متكاملة تشمل الثقافة، والترفيه، والطبيعة، والعلاج، والمؤتمرات.
وهو ما يجعلها قادرة على المنافسة بقوة في سوق السياحة العالمية.
إن مستقبل السياحة المصرية يبدو واعدًا، خاصة مع استمرار مشروعات التطوير وإطلاق مبادرات جديدة للترويج في الأسواق الناشئة، وفتح مسارات طيران جديدة، والاهتمام بتدريب الكوادر البشرية لتقديم خدمة ذات مستوى عالمي.
ومع تكامل هذه الجهود، تظل مصر قادرة على أن تحافظ على مكانتها كإحدى أهم الوجهات السياحية في العالم، وأن تجعل من السياحة جسرًا للتواصل الإنساني ومصدرًا متجددًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

- سياح
- الكرنك
- اقتصاد
- الاستثمار
- مقابر
- صابر سالم يكتب
- صابر سالم
- السياحة فى مصر
- طلبات
- ملك
- المصري
- الفن
- الدولة المصرية
- الطب
- عون
- الدول
- استقرار
- مشروع
- المؤتمر
- تعرف
- نقل
- شخص
- نشاط
- علاج
- العملة
- افتتاح
- تجدد
- دمج
- الطرق
- حملات
- متنوعة
- حركة
- قرار
- اجتماع
- السياحة
- التنمية
- المقابر
- ثقافة
- سياحة
- فنادق
- داخل
- مركز
- العالم
- الشتاء
- النقل
- المرج
- الغردقة
- القاهرة
- الحكومة
- العملات
- أصالة
- التجارة
- الاقتصاد
- روبى
- مصر
- كرة
- شبكة
- درة