عاصم سليمان يكتب: الرئيس السيسي وسياسة التهدئة

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- مصر تتصدر مسار خفض التصعيد الإقليمي بعد الاتصال الإيراني

- الاتصال بين مصر وإيران يعكس دور القاهرة المحوري في إدارة الأزمات الإقليمية

- جهود الرئيس السيسي تثبت قدرة مصر على حماية استقرار المنطقة عبر الوساطة والدبلوماسية الفاعلة

- إستراتيجية مصر في خفض التصعيد تؤكد الرؤية المستدامة لأمن الشرق الأوسط

- مصر تعزز مبدأ حسن الجوار وتبني الثقة بين القوى الإقليمية لضمان بيئة آمنة للتعاون

من يتابع تحركات الدولة المصرية خلال السنوات الماضية يدرك أن الرئيس عبد الفتاح السيسي جعل من فكرة الاستقرار الإقليمي محورا ثابتا في كل تحركاته، ليس فقط دفاعا عن المصالح المصرية، بل أيضا حفاظا على توازن منطقة تتشابك فيها الأزمات وتتداخل فيها المصالح.

وفي هذا السياق، جاء الاتصال الهاتفي بين الرئيس السيسي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليؤكد مرة أخرى أن مصر لا تكتفي بدور المراقب، بل تتحرك دائمًا باعتبارها طرفًا يسعى لاحتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة، فخلال الاتصال، عبر الرئيس السيسي بوضوح عن إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق استهداف إيران دول الخليج والأردن والعراق، مؤكدًا أن هذه الدول الشقيقة لم تشارك في أي حرب ضد إيران، ولم تدعمها، بل على العكس أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية-الأمريكية بحثًا عن حل دبلوماسي للأزمة، وللحق هذا الموقف المصري يعكس فلسفة سياسية واضحة؛ فلسفة تقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق أن الحروب لا تصنع أمنا دائما، وأن الحوار مهما كان صعبا يبقى أقل كلفة من الصراع.

واللافت للنظر أن مصر، عبر عقود طويلة، حافظت على موقعها كدولة تفضل دائما الحلول السياسية على المغامرات العسكرية، وهذه السياسة لم تأت من فراغ، بل من إدراك عميق لطبيعة المنطقة التي تعيش فوق طبقات متراكمة من الصراعات التاريخية، ولهذا لم يكن غريبا أن يؤكد الرئيس السيسي خلال الاتصال مع الرئيس الإيراني تطلع مصر إلى إعلاء مبدأ حسن الجوار ووقف الهجمات فورا، معربا عن أسف القاهرة للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها، فالمنطقة، كما يعرف الجميع، لم تعد تحتمل حربًا جديدة.

واللافت في التحرك المصري أنه لا يكتفي بإعلان المواقف، بل يسعى دائمًا إلى فتح مسارات عملية للحل، فخلال الاتصال، استعرض الرئيس السيسي الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مؤكدًا أهمية التحلي بالمرونة من جميع الأطراف، وهنا يظهر أحد أهم ملامح الدبلوماسية المصرية، وهو القدرة على التواصل مع الجميع دون استثناء، فمصر تحتفظ بعلاقات قوية مع الدول العربية، وفي الوقت ذاته تحافظ على قنوات اتصال مع القوى الإقليمية المختلفة، وهو ما يمنحها مساحة حركة واسعة في أوقات الأزمات، هذه القدرة على التواصل مع أطراف متباينة هي ما يجعل القاهرة دائما مرشحة للعب دور الوسيط المقبول لدى كثير من الأطراف.

وليس من المصادفة أن يعبر الرئيس الإيراني عن تقديره لجهود مصر والرئيس السيسي في سبيل وقف التصعيد، مؤكدًا حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية.

إن ما يميز السياسة المصرية في عهد الرئيس السيسي هو أنها تتعامل مع السلام ليس كشعار دبلوماسي، بل كخيار إستراتيجي طويل المدى، فالدولة التي تخوض معركة تنمية كبرى في الداخل تدرك جيدًا أن الاستقرار الإقليمي جزء لا يتجزأ من نجاح خططها الاقتصادية، ولا يمكن لأي دولة أن تحقق قفزات تنموية حقيقية بينما المنطقة من حولها تعيش على وقع الأزمات والصراعات.

ومن هنا يمكن فهم حرص مصر المستمر على الدفع نحو الحلول السياسية في كل الملفات الإقليمية، سواء في الأزمات العربية أو في التوترات التي تتجاوز حدود العالم العربي، إن قراءة المشهد الإقليمي تكشف بوضوح أن المنطقة تقف أحيانًا على حافة توترات قابلة للاشتعال في أي لحظة، وفي مثل هذه اللحظات، يصبح وجود دولة تمتلك ثقلا سياسيا وتاريخا دبلوماسيا مثل مصر أمرًا بالغ الأهمية، فمصر تدرك أن حماية استقرار الإقليم ليست مسؤولية دولة واحدة، لكنها أيضا لا يمكن أن تتحقق دون دور الدول الكبرى في المنطقة، ولهذا أكد الرئيس السيسي خلال الاتصال مع الرئيس الإيراني استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد ممكن للوساطة، والعمل على تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة.

لماذا يحتاج الشرق الأوسط إلى صوت مثل مصر؟ ربما لأن المنطقة، ببساطة، تعبت من الحروب، تعبت من لغة التصعيد، ومن حسابات القوة التي لا تنتج في النهاية إلا مزيدًا من التوتر، ولهذا يبدو الدور المصري اليوم مهمًا أكثر من أي وقت مضى، دور يقوم على فكرة أن السلام ليس ضعفا، بل شجاعة سياسية، وأن الحوار مهما طال يبقى أفضل من صراع قد يستمر لسنوات.

ويمكن القول إن التحرك المصري في مثل هذه اللحظات لا ينفصل عن رؤية إستراتيجية أعمق لطبيعة الأمن في الشرق الأوسط.

فالرئيس عبد الفتاح السيسي يدرك أن أمن المنطقة لم يعد مسألة حدود جغرافية فقط، بل أصبح شبكة معقدة من المصالح المتداخلة بين دول الخليج وبلاد الشام والعراق وإيران والقوى الدولية الكبرى.

ولذلك فإن أي تصعيد في بقعة واحدة سرعان ما تمتد آثاره إلى بقية الإقليم، سواء عبر الاقتصاد أو الطاقة أو الأمن الإقليمي.

ومن هنا تأتي أهمية الرسائل التي حملها الاتصال مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والتي لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبير عن فلسفة مصرية راسخة تقوم على تجنيب المنطقة سيناريوهات الفوضى والصدام المباشر.

فمصر تدرك أن الحفاظ على توازن العلاقات بين القوى الإقليمية هو الضمان الحقيقي لعدم انزلاق الشرق الأوسط إلى صراعات مفتوحة قد تستنزف مقدرات شعوبه لعقود.

وهكذا، وبين عواصف السياسة وتقلبات الإقليم، تواصل مصر  بقيادة الرئيس السيسي التحرك بهدوء، محاولة أن تبقي باب الحلول مفتوحا، وأن تذكر الجميع بأن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر ساحات القتال، بل عبر طاولات التفاوض وإرادة السلام.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 456 الصادر بتاريخ  19 مارس 2026
تم نسخ الرابط