الصناعة المصرية تستعيد أنفاسها بقرارات تعيد الثقة للمستثمرين
- القطاع الصناعي المصري يمتلك نماذج ناجحة ومشرفة استطاعت تحقيق إنجازات كبيرة رغم كل التحديات
- هناك إرادة حقيقية لفهم الواقع والتعامل معه بعقلية مختلفة أكثر مرونة ووعيًا
- الإعفاء الكامل من غرامات التأخير يحمل رسالة شديدة الذكاء في هذا التوقيت
- مصر تمتلك فرصة ذهبية لتكون مركزًا صناعيًا مهمًا في المنطقة
- تسريع إصدار التراخيص وتوسيع برامج التمويل الصناعي وتقديم مزيد من الحوافز للمشروعات
مازلت على قناعة تامة بأن الصناعة ليست مجرد قطاع اقتصادي ضمن قطاعات الدولة، بل هي المعركة الحقيقية التي تحدد قدرة أي دولة على البقاء قوية ومستقلة وقادرة على مواجهة التقلبات العالمية.
ولذلك فإنني أتعامل دائمًا مع أي قرار يخص الصناعة باعتباره قرارًا يمس مستقبل الوطن كله، وليس فقط مجموعة من المستثمرين أو أصحاب المصانع.
ومن هنا يمكنني القول إن التيسيرات الأخيرة التي أعلنتها وزارة الصناعة تمثل واحدة من أهم الرسائل الإيجابية التي تلقاها المستثمر الصناعي خلال الفترة الأخيرة، لأنها ببساطة تعكس وجود إرادة حقيقية لفهم الواقع والتعامل معه بعقلية مختلفة أكثر مرونة ووعيًا.
اللافت للنظر أن هذه القرارات لم تأتِ في إطار الشعارات أو العبارات التقليدية المعتادة، وإنما جاءت مرتبطة بمشكلات حقيقية كان يعاني منها عدد كبير من المستثمرين لسنوات طويلة.
فعندما تمنح الدولة مهلة إضافية للمشروعات التي وصلت نسبة تنفيذها إلى خمسة وسبعين بالمائة من الإنشاءات، فهذا معناه أن هناك اعترافًا واضحًا بأن بعض المشروعات كانت على بُعد خطوات قليلة من الانطلاق، لكنها اصطدمت بعوائق وظروف اقتصادية معقدة حالت دون استكمالها في التوقيت المحدد.
الحقيقة أن السنوات الأخيرة لم تكن سهلة على أحد.
العالم كله واجه اضطرابات اقتصادية ضخمة، بداية من تداعيات جائحة كورونا، ثم أزمات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وصولًا إلى موجات التضخم وارتفاع أسعار الخامات والشحن والتشغيل.
وكل هذه العوامل انعكست بصورة مباشرة على المستثمر الصناعي الذي وجد نفسه أحيانًا عاجزًا عن استكمال مشروع بدأه بحماس وخطط له لسنوات.
لذلك فإن التعامل مع هذه الظروف بعقلية العقوبات والغرامات فقط لم يكن ليحقق أي نتائج إيجابية، بل كان من الممكن أن يؤدي إلى خروج عدد كبير من المستثمرين من السوق نهائيًا.
وهنا تأتي أهمية القرارات الجديدة التي اختارت أن تفتح الباب للحلول بدلًا من إغلاقه، وأن تمنح المستثمر فرصة جديدة بدلًا من دفعه نحو التعثر الكامل.
وأعتقد أن الإعفاء الكامل من غرامات التأخير يحمل رسالة شديدة الذكاء في هذا التوقيت، لأن الدولة هنا تقول للمستثمر بشكل مباشر: "نحن لا نبحث عن تحصيل الغرامات بقدر ما نبحث عن تشغيل المصنع".
وهذه النقطة تحديدًا مهمة للغاية، لأن المصنع حين يعمل فهو لا يخدم صاحبه فقط، وإنما يخلق فرص عمل ويحرك السوق ويزيد الإنتاج ويقلل الاستيراد ويضخ أموالًا داخل الاقتصاد الوطني.
أنا أرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي اقتصاد هو أن تتوقف عجلة الإنتاج، لأن توقفها لا يعني فقط خسائر مالية، بل يعني أيضًا فقدان الثقة.
والثقة في الاقتصاد هي العنصر الأخطر والأهم في أي عملية تنموية.
المستثمر حين يشعر بأن الدولة تتفهم التحديات التي يواجهها وتتعامل معه كشريك حقيقي، فإنه يكون أكثر استعدادًا للاستمرار وضخ استثمارات جديدة وتحمل الضغوط المؤقتة.
كما أن السماح بإعادة التعامل على الأراضي الصناعية التي سبق سحبها يمثل خطوة شديدة الواقعية.
ففي أوقات كثيرة كانت بعض المشروعات تتعرض للتعثر لأسباب خارجة عن إرادة المستثمر، سواء بسبب التمويل أو ارتفاع التكلفة أو الظروف الاقتصادية المفاجئة.
وكانت النتيجة أن يخسر المستثمر الأرض والمشروع معًا، وهو ما خلق حالة من الإحباط لدى كثيرين.
أما اليوم فهناك فلسفة مختلفة تقوم على منح الفرصة مرة أخرى للجادين، وهو أمر أراه ضروريًا جدًا في هذه المرحلة، خاصة أن الدولة أنفقت مليارات الجنيهات على إنشاء بنية تحتية ومناطق صناعية حديثة، ومن غير المنطقي أن تظل بعض هذه المناطق معطلة أو غير مستغلة بسبب تعقيدات إدارية أو أزمات طارئة مر بها المستثمر.
في تقديري الشخصي، فإن الرسالة الأعمق داخل هذه القرارات هي أن الدولة بدأت تدرك أن الصناعة ليست رفاهية، بل ضرورة أمن قومي.
العالم كله الآن يتجه بقوة نحو دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، خصوصًا بعد الأزمات العالمية المتلاحقة التي كشفت خطورة الاعتماد الكامل على الاستيراد.
ومصر تمتلك فرصة ذهبية لتكون مركزًا صناعيًا مهمًا في المنطقة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي المميز، ولكن أيضًا بسبب امتلاكها سوقًا ضخمة واتفاقيات تجارية واسعة وبنية تحتية شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات الماضية.
لكن كل هذه المزايا لن تتحول إلى قوة اقتصادية حقيقية إلا إذا شعر المستثمر بأن المناخ الاستثماري أصبح أكثر مرونة وأكثر قدرة على استيعاب الأزمات والتعامل معها.
وأنا أعتقد أن القطاع الصناعي المصري يمتلك بالفعل نماذج ناجحة ومشرفة استطاعت تحقيق إنجازات كبيرة رغم كل التحديات.
لكن هذه النماذج كانت دائمًا تحتاج إلى بيئة أكثر دعمًا وأقل تعقيدًا.
ولذلك فإن أي خطوة لتسهيل الإجراءات أو تخفيف الأعباء أو إعادة تشغيل المشروعات المتعثرة يجب أن تُستقبل باعتبارها خطوة في الاتجاه الصحيح.
الأمر لا يتعلق فقط بالمصانع الكبرى أو المستثمرين الكبار، بل يمتد أيضًا إلى الشباب الذين يحلمون بإقامة مشروعات إنتاجية صغيرة ومتوسطة.
هؤلاء يحتاجون إلى رؤية دولة تشجع وتحفز وتساند، لا إلى مشهد مليء بالعقبات والخوف من التعثر؛ لأن الاستثمار الصناعي بطبيعته يحتاج إلى نفس طويل وصبر وقدرة على مواجهة التحديات، وأي رسالة دعم من الدولة يمكن أن تصنع فارقًا نفسيًا واقتصاديًا هائلًا.
وأتصور أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استكمال هذه التيسيرات بخطوات أخرى لا تقل أهمية، مثل تسريع إصدار التراخيص، وتوسيع برامج التمويل الصناعي، وتقديم مزيد من الحوافز للمشروعات التي تعتمد على التصنيع المحلي والتكنولوجيا الحديثة.
كما أن دعم الصناعات المرتبطة بالتصدير سيكون له تأثير مباشر على زيادة العملة الأجنبية وتحسين الميزان التجاري.
الحقيقة أن الصناعة ليست مجرد أرقام أو بيانات حكومية، بل هي حياة كاملة تدور حول المصنع والعامل والمهندس والفني والأسرة التي تعتمد على هذا المشروع في معيشتها.
ولذلك فإن أي قرار يساعد مصنعًا على العودة للإنتاج هو في الحقيقة قرار يعيد الحياة لعشرات وربما مئات الأسر.
ومن هنا أرى أن القرارات الأخيرة تمثل بداية مهمة جدًا نحو بناء علاقة أكثر توازنًا وثقة بين الدولة والمستثمر الصناعي.
وإذا استمرت هذه الرؤية بنفس الوضوح والمرونة، فإننا قد نكون بالفعل أمام مرحلة جديدة تستعيد فيها الصناعة المصرية جزءًا كبيرًا من قوتها وقدرتها على المنافسة.
وفي النهاية، أعتقد أن الرهان الحقيقي الآن ليس فقط على إصدار القرارات، وإنما على سرعة تنفيذها بنفس الروح الإيجابية التي خرجت بها؛ لأن المستثمر يريد أن يشعر بأن هذه التيسيرات موجودة بالفعل على أرض الواقع، داخل الهيئات والمكاتب والإجراءات اليومية، وليس فقط داخل التصريحات الرسمية.
ولو نجحت الدولة في ذلك، فأنا أتصور أن الصناعة المصرية قادرة على تحقيق طفرة حقيقية خلال السنوات المقبلة، وأن تتحول من مجرد قطاع اقتصادي مهم إلى قاطرة تنمية حقيقية تدفع الاقتصاد المصري كله نحو مرحلة أكثر قوة واستقرارًا وثقة في المستقبل.




