الحوار المجتمعي هو الطريق إلى قانون "أحوال شخصية" عادل ومتوازن
- الحوار المجتمعي ليس مجرد إجراء شكلي وإنما ضرورة حقيقية للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة.
- يجب أن نستمع إلى خبراء علم النفس والاجتماع ورجال القانون والمؤسسات الدينية والمتخصصين.
- نحذر من خلق مناخ يجعل الناس يدخلون الحياة الزوجية وهم يتوقعون الفشل منذ اليوم الأول.
- تضييق مساحات الثقة داخل العلاقات الأسرية قد يؤدي إلى نتائج خطيرة على المدى البعيد.
- قضية الحضانة والرؤية والاستضافة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا داخل قانون الأحوال الشخصية.
- أي قانون جديد يجب أن يضع مصلحة الطفل فوق كل الاعتبارات وأن يسعى إلى تقليل حجم الصدام بين الطرفين بدلًا من تعميقه.
كنت وما زلت على قناعة تامة بأن القوانين التي تمس الأسرة المصرية ليست مجرد مواد قانونية تُكتب داخل أروقة البرلمان أو تُناقش في البرامج التلفزيونية ثم تنتهي بمجرد التصويت عليها، وإنما هي قوانين تُعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية داخل ملايين البيوت، وتؤثر بشكل مباشر في مستقبل أجيال كاملة.
ولهذا فإن أي حديث عن قانون الأحوال الشخصية يجب أن يتم بحذر شديد، وبقدر كبير من الحكمة والتوازن، لأننا هنا لا نتعامل مع ملف عادي، بل مع قضية ترتبط بالاستقرار النفسي والاجتماعي والإنساني للمجتمع كله.
ومن يتابع حجم الجدل الدائر حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد يدرك أننا أمام حالة من الانقسام المجتمعي الواسع، حيث يتحدث البعض بمنطق الدفاع الكامل عن الرجل، بينما يتحرك آخرون بمنطق الانتصار المطلق للمرأة، وفي خضم هذا الصراع تضيع القضية الأساسية، وهي الحفاظ على الأسرة المصرية نفسها، باعتبارها الركيزة الحقيقية لأي مجتمع مستقر وقوي.
وفي تقديري الشخصي، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن تتحول القضايا الأسرية إلى ساحة استقطاب حاد بين الرجال والنساء، لأن هذا النوع من الصراعات لا ينتج حلولًا بقدر ما ينتج مشاعر غضب وكراهية وعدم ثقة بين الطرفين.
الأسرة لا يمكن أن تُبنى بمنطق الغلبة والانتصار، وإنما تُبنى على التوازن والرحمة والإحساس بالمسؤولية المشتركة.
ولذلك فإن أي قانون جديد يجب أن ينطلق من فكرة حماية الأسرة، لا من فكرة معاقبة طرف أو منح الأفضلية المطلقة لطرف آخر.
اللافت للنظر أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات اجتماعية واقتصادية ضخمة أثرت بشكل واضح في طبيعة العلاقات داخل المجتمع المصري.
الضغوط الاقتصادية المتزايدة، وارتفاع تكاليف الحياة، والتغيرات الثقافية السريعة، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، كلها عوامل ساهمت في خلق حالة من التوتر داخل كثير من البيوت.
ومع الأسف، أصبحت بعض العلاقات الزوجية تدخل منذ بدايتها في أجواء من القلق والشك والخوف من المستقبل، بدلًا من أن تبدأ بالطمأنينة والاستقرار والرغبة الحقيقية في بناء حياة مشتركة.
ولهذا فإن إصدار قانون جديد للأحوال الشخصية دون حوار مجتمعي حقيقي وعميق قد يؤدي إلى زيادة هذا التوتر بدلًا من معالجته.
القوانين التي تمس حياة الناس اليومية لا يجب أن تُصاغ على عجل، ولا يجب أن تخضع لضغط السوشيال ميديا أو لحالة الانفعال المؤقتة التي تسيطر أحيانًا على النقاش العام.
نحن بحاجة إلى قانون يعيش لعقود طويلة، وليس إلى قانون يتم تعديله بعد شهور بسبب ظهور مشكلات جديدة أو اكتشاف ثغرات لم يتم الانتباه إليها أثناء المناقشات الأولى.
أنا أؤمن بأن الحوار المجتمعي في مثل هذه القضايا ليس مجرد إجراء شكلي، وإنما ضرورة حقيقية للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة.
فمن غير المنطقي أن يتم الحديث عن قانون يمس ملايين الأسر دون الاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية به.
يجب أن نستمع إلى المرأة التي عانت من ظلم حقيقي، كما يجب أن نستمع أيضًا إلى الأب الذي يشعر بأنه فقد دوره الطبيعي في حياة أبنائه بعد الانفصال.
يجب أن نستمع إلى خبراء علم النفس والاجتماع، وإلى رجال القانون، وإلى المؤسسات الدينية، وإلى المتخصصين في قضايا الأسرة والطفولة، لأن كل طرف يمتلك زاوية مهمة تساعد على الوصول إلى رؤية أكثر عدلًا وتوازنًا.
وخلال متابعتي النقاشات المختلفة، توقفت طويلًا أمام بعض الطروحات التي تجعل الزواج أقرب إلى العقود التجارية منه إلى العلاقة الإنسانية التي تقوم على السكن والمودة والرحمة.
فالزواج في النهاية ليس مشروعًا استثماريًا قابلًا للتجربة ثم الإلغاء بمجرد ظهور اختلافات أو اكتشاف بعض الأمور غير المتوقعة.
نعم، من حق أي طرف أن يحمي نفسه من التدليس أو الخداع، لكن في المقابل يجب أن نحذر من خلق مناخ يجعل الناس يدخلون الحياة الزوجية وهم يتوقعون الفشل منذ اليوم الأول.
المجتمع اليوم لا يحتاج إلى قوانين تُشعر الشباب بالخوف من الزواج، وإنما يحتاج إلى قوانين تمنح الناس الإحساس بالعدل والأمان والاستقرار.
لأن تضييق مساحات الثقة داخل العلاقات الأسرية قد يؤدي إلى نتائج خطيرة على المدى البعيد، خصوصًا في ظل ارتفاع نسب الطلاق وتراجع معدلات الزواج في كثير من الأحيان بسبب المخاوف المرتبطة بالتكاليف أو التعقيدات القانونية والاجتماعية.
كما أنني أرى أن قضية الحضانة والرؤية والاستضافة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا داخل قانون الأحوال الشخصية، لأنها تتعلق بشكل مباشر بالحالة النفسية للطفل.
الطفل في النهاية ليس طرفًا في الخلاف، وليس أداة للضغط أو وسيلة للانتقام بين الأب والأم، لكنه للأسف يتحول أحيانًا إلى الضحية الأولى لأي صراع أسري.
ومن الطبيعي أن تكون الأم في مقدمة من يرعون الطفل ويهتمون به، فهذا أمر تحكمه الفطرة والطبيعة الإنسانية قبل أي نص قانوني، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل أهمية دور الأب في حياة أبنائه.
الأب ليس مجرد شخص يتحمل النفقات المادية فقط، وإنما هو عنصر أساسي في التكوين النفسي والتربوي للطفل.
وجود الأب في حياة أبنائه بشكل طبيعي ومتوازن يمنح الطفل شعورًا بالأمان والاستقرار والانتماء، وغياب هذا الدور أو تهميشه يترك آثارًا نفسية قد تستمر لسنوات طويلة.
المؤلم حقًا أن بعض حالات الانفصال تتحول إلى معارك طويلة داخل المحاكم، بينما يعيش الأبناء وسط أجواء من التوتر والانقسام والصراع المستمر.
ولهذا فإن أي قانون جديد يجب أن يضع مصلحة الطفل فوق كل الاعتبارات، وأن يسعى إلى تقليل حجم الصدام بين الطرفين بدلًا من تعميقه.
وفي الحقيقة، فإن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في زيادة حالة الاستقطاب المجتمعي حول هذا الملف.
فكل قضية تتحول بسرعة إلى ترند، ثم تبدأ حملات التأييد والهجوم والانفعال، بينما تضيع وسط هذا الضجيج أصوات العقلاء والمتخصصين القادرين على تقديم حلول واقعية ومتوازنة.
ومع الأسف، أصبح البعض يتعامل مع قوانين الأسرة بمنطق الانتقام الشخصي، فكل شخص يريد قانونًا يعكس تجربته الخاصة أو أزمته الشخصية، بينما القوانين يجب أن تُبنى على رؤية شاملة تراعي مصلحة المجتمع كله.
وأعتقد أن الدولة تدرك جيدًا حساسية هذا الملف، ولهذا جاءت الدعوات المتكررة إلى تحقيق التوازن وعدم الانحياز لأي طرف على حساب الآخر.
فالمجتمع لا يحتمل مزيدًا من الانقسام، والأسرة المصرية تحتاج اليوم إلى الدعم والحماية أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الجميع.
كما أن احترام الدستور والثوابت الدينية والمجتمعية يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي مناقشات تتعلق بالأحوال الشخصية، لأن المجتمع المصري بطبيعته مجتمع يرتبط بقيم دينية واجتماعية راسخة، وأي قانون لا يراعي هذه الخصوصية قد يواجه صعوبة كبيرة في تحقيق القبول المجتمعي المطلوب.
وأرى أن البرلمان أمام اختبار حقيقي في طريقة إدارة هذا الملف، لأن نجاحه في الوصول إلى قانون عادل ومتوازن سيُحسب له كخطوة مهمة في حماية المجتمع والأسرة.

- خلاف
- العلاقات
- الدول
- استقرار
- النساء
- اليوم
- الطب
- عون
- الشباب
- المصري
- خالد الطوخى يكتب
- اقتصاد
- الطلاق
- البرلمان
- اكتشاف
- الاقتصاد
- طرة
- ملفات
- حكم
- حملات
- التلفزيون
- الاسرة المصرية
- قرار
- اجتماع
- داخل
- الاول
- شخص
- طفل
- ساحات
- وكرا
- اول
- الرجال
- قانون
- قضية
- كرة
- مشروع
- أسرة
- طريق
- عامل
- رجال
- زواج
- قنا
- روح
- خالد الطوخى
- مصر
- مواقع التواصل
- يوم



