عاصم سليمان يكتب: الرئيس عبد الفتاح السيسي يعيد للقاهرة التاريخية وجهها الحضاري

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- توجيهات الرئيس لتطوير قاهرة المعز تعكس رؤية حكيمة لصون الهوية المصرية وإحياء الإرث الحضاري

- إحياء القاهرة القديمة.. مشروع وطني يستعيد قيمة المكان في الوجدان المصري ويعيد تقديم التاريخ بروح معاصرة

- الجمهورية الجديدة لا تنفصل عن جذورها.. تطوير القاهرة التاريخية يرسخ قيم الأصالة في مسيرة التنمية الشاملة

تمضي الدولة المصرية بخطى واثقة نحو استعادة الوجه الحضاري للقاهرة التاريخية، في مشروع لا يتعلق فقط بتطوير المباني أو إعادة تأهيل الشوارع، وإنما بإحياء ذاكرة مدينة تعد واحدة من أعظم العواصم التاريخية في العالم، وفي هذا السياق، جاءت متابعة الرئيس عبد الفتاح السيسي جهود تطوير القاهرة التاريخية، وتوجيهاته الواضحة بتحويلها إلى مقصد سياحي عالمي، لتؤكد أن هذا الملف يحظى بأولوية خاصة ضمن رؤية الدولة لبناء الجمهورية الجديدة وصون الهوية المصرية.

القاهرة التاريخية ليست مجرد منطقة تضم آثارا ومساجد وبيوتا قديمة، بل هي سجل مفتوح يحكي قرونا متعاقبة من الحضارة والثقافة والعمران، فمن بين أزقتها خرجت ملامح الشخصية المصرية، وعلى جدرانها تعاقبت حضارات ودول وتركت بصماتها في العمارة والفنون والحياة اليومية.

ولهذا، فإن تطوير هذه المنطقة يحمل بعدا أعمق من مجرد الترميم، لأنه يرتبط باستعادة روح مدينة كانت عبر التاريخ واحدة من أهم الحواضر الإنسانية وأكثرها تأثيرا.

وقد عكس الاجتماع الذي عقده الرئيس لمتابعة تطورات الجهود المبذولة لتطوير القاهرة التاريخية إدراكا عميقا لحجم هذا الملف وأهميته، فالتوجيهات الرئاسية جاءت حاسمة بضرورة إيلاء هذا المشروع أهمية قصوى، مع حصر وتطوير كافة المباني والمنشآت ذات الصلة وفقا لأعلى المعايير، بما يضمن الحفاظ على الطابع التاريخي والحضاري للمنطقة، وفي الوقت نفسه تقديمها بصورة تليق بمكانة مصر وتاريخها أمام العالم.

واللافت في رؤية الدولة تجاه القاهرة التاريخية أنها لا تنظر إليها باعتبارها منطقة أثرية جامدة، بل باعتبارها مساحة حية يمكن أن تتحول إلى مركز جذب ثقافي وسياحي عالمي، فالعواصم الكبرى التي نجحت في توظيف تاريخها لم تحقق ذلك عبر الاكتفاء بحماية الآثار فقط، وإنما من خلال دمج التراث في حركة الحياة الحديثة، وتحويل المدن التاريخية إلى تجارب إنسانية متكاملة تجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ومن هنا، تبدو القاهرة التاريخية مؤهلة لأن تصبح واحدة من أهم الوجهات السياحية والثقافية على مستوى المنطقة والعالم إذا ما استمرت عملية التطوير بهذا الزخم والرؤية.

ولا يمكن فصل هذا المشروع عن التحولات العمرانية الكبرى التي تشهدها مصر خلال السنوات الأخيرة، فالدولة تخوض تجربة تنموية شاملة تقوم على إعادة صياغة المشهد الحضاري في مختلف المحافظات، سواء من خلال إنشاء مدن جديدة أو تطوير المناطق القديمة والتاريخية أو رفع كفاءة البنية التحتية، وفي قلب هذه الرؤية، تأتي القاهرة التاريخية باعتبارها عنوانا لهوية مصر الحضارية ورسالة ثقافية تعكس عمقها التاريخي.

إن الحفاظ على التراث لا يعني تجميد الزمن، بل يعني تقديم الماضي بصورة تسمح له بالاستمرار والتفاعل مع الحاضر، وهذا ما يبدو واضحا في توجه الدولة نحو تطوير المباني والمنشآت التاريخية وفق أعلى المعايير العالمية، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على القيمة الأثرية وإعادة توظيف المكان بشكل يضمن استدامته اقتصاديا وسياحيا وثقافيا، فالمناطق التاريخية التي تبقى مهملة تفقد تدريجيا روحها وقدرتها على الحياة، أما حين يتم الاعتناء بها وتطويرها فإنها تتحول إلى مصدر قوة ناعمة يعكس صورة الدولة وثقافتها أمام العالم.

ومن يتأمل القاهرة التاريخية يدرك أنها تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة بالفعل على أن تكون مقصدا سياحيا عالميا، فهذه المنطقة تضم ثروة هائلة من المساجد الأثرية والبيوت التاريخية والأسواق القديمة والشوارع التي تحمل طابعا معماريا نادرا، كما أنها تمتلك خصوصية إنسانية وثقافية تجعل التجول فيها تجربة مختلفة لا تشبه أي مدينة أخرى، لذلك، فإن تطويرها لا يخدم فقط قطاع السياحة، وإنما يعزز أيضا مكانة مصر الثقافية والحضارية على المستوى الدولي، والأهم أن الدولة لم تعد تتعامل مع ملف التراث بمنطق رد الفعل أو الحلول المؤقتة، وإنما وفق رؤية إستراتيجية طويلة المدى، فالتطوير الجاري اليوم يقوم على أسس علمية وتنظيمية واضحة، تشمل الحصر الدقيق للمباني والمنشآت، ورفع كفاءتها، وتحسين الخدمات والبنية التحتية، إلى جانب الحفاظ على الهوية البصرية والمعمارية للمنطقة، وهذه المقاربة تعكس فهما متقدما لفكرة التنمية المستدامة التي توازن بين التطوير والحفاظ على الأصالة.

كما أن تحويل القاهرة التاريخية إلى مزار حضاري جاذب يحمل أبعادا اقتصادية مهمة، فالسياحة الثقافية تعد من أكثر أنواع السياحة استدامة وقدرة على جذب الزوار ذوي الاهتمام العميق بالحضارة والتاريخ، وكلما نجحت مصر في تقديم مواقعها التاريخية بصورة متكاملة وحديثة، زادت قدرتها على تعزيز تنافسيتها السياحية عالميا، ومن هنا، فإن الاستثمار في القاهرة التاريخية هو في جوهره استثمار في القوة الناعمة المصرية وفي الاقتصاد الوطني أيضا.

وفي تقديري، ما يحدث اليوم في القاهرة التاريخية يتجاوز فكرة التطوير العمراني التقليدي، لأنه يرتبط بإعادة الاعتبار لقيمة المكان في الوعي المصري، فالقاهرة القديمة ليست مجرد حجارة وآثار، بل ذاكرة ممتدة لأجيال كاملة، ومشهد إنساني وثقافي يحمل روح مصر الحقيقية، وحين تستعيد هذه المنطقة بريقها، فإن ذلك ينعكس على صورة الدولة بأكملها ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف تاريخها بصورة أكثر قربا وعمقا، لقد ظلت القاهرة التاريخية لعقود طويلة تعاني من تحديات عديدة، لكن ما نشهده الآن يعكس تحولا واضحا في طريقة التعامل مع هذا الملف، وإرادة سياسية تؤمن بأن حماية التراث ليست رفاهية، وإنما جزء من مشروع بناء الدولة الحديثة.

إن توجيهات الرئيس السيسي بشأن تطوير القاهرة التاريخية وتحويلها إلى مقصد سياحي عالمي تعكس إيمانا حقيقيا بأن الأمم الكبرى لا تبني مستقبلها بمعزل عن تاريخها، بل تنطلق منه، ومصر، بما تمتلكه من حضارة استثنائية وتاريخ ممتد، لديها من الكنوز ما يجعلها قادرة على أن تقدم للعالم نموذجا فريدا يجمع بين الأصالة والتطوير. لذلك، فإن استعادة القاهرة التاريخية ليست مجرد مشروع عمراني، بل خطوة جديدة في رحلة استعادة الوعي بالجمال والهوية والقيمة الحضارية لمصر.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 464 الصادر بتاريخ  21 مايو 2026
تم نسخ الرابط