في مواسم الرحمة.. تولد الروح من جديد

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- العشر الأوائل من ذي الحجة.. حين يعود الإنسان إلى صفائه وتستعيد القلوب علاقتها بالنور والطمأنينة

- "لبيك اللهم لبيك".. تكبيرات الحجيج تعيد إلى الروح يقينها القديم وشوقها الأول

- أعظم أيام الدنيا.. حين يقف البشر جميعا أمام الله بلا فوارق ولا أقنعة

- العشر المباركة.. حالة إيمانية تعيد ترميم الإنسان من الداخل

- ذو الحجة.. موسم تعود فيه المعاني الكبرى إلى حياة الناس وفرصة نادرة لمصالحة القلب مع نفسه

كل عام تأتينا العشر الأوائل من ذي الحجة مختلفة عن كل ما سواها من أيام، لا تأتي كموعد عادى في التقويم، ولا كمناسبة دينية معتادة تمر ثم تنتهي، بل كحالة كاملة من السكينة تتسلل إلى القلب بهدوء، وكأن الله يفتح للروح نافذة واسعة على الرحمة بعد شهور طويلة من التعب والضجيج والانشغال بالدنيا.

هناك أيام يشعر فيها الإنسان بأن العالم صار أثقل من قدرته على الاحتمال، وأن القلب امتلأ بما لا يقال، وأنه يجرى طوال الوقت دون أن يعرف إلى أين يمضي بالضبط، ثم تأتي هذه الأيام المباركة فجأة، فيشعر بأن الحياة نفسها تبطئ خطواتها قليلا، وبأن الروح التي أنهكها الزحام تجد مساحة للتنفس من جديد.

العشر الأوائل من ذي الحجة ليست مجرد موسم للعبادة، بل لحظة كبيرة من الصفاء الإنساني، لحظة يتذكر فيها الإنسان أنه لم يخلق فقط للسعي واللهاث والخوف من الغد، بل خلق أيضا ليطمئن، وليقترب من الله، وليشعر بأن هناك بابا مفتوحا دائما مهما أثقلته الحياة بالأخطاء والهزائم والانكسارات.

ومن العجيب أن لهذه الأيام حضورا خاصا في الوجدان، حتى عند أولئك الذين لا يعرفون كثيرا عن تفاصيل فضائلها، يكفي أن تبدأ تكبيرات الحج في الظهور حتى يتغير شيء ما داخل الإنسان، صوت "لبيك اللهم لبيك" لا يشبه أي نداء آخر، إنه ليس مجرد كلمات تتردد في الأجواء، بل رجفة خفية تصيب القلب، وكأن الأرواح جميعها تعرف هذا النداء منذ زمن بعيد وتحن إليه مهما ابتعدت، وحين نرى الحجاج بملابس الإحرام البيضاء وهم يتركون وراءهم كل تفاصيل الدنيا، ندرك أن الإنسان في جوهره كائن يبحث عن الطمأنينة أكثر مما يبحث عن أي شيء آخر، في تلك اللحظات تسقط الفوارق كلها، لا مكان لمنصب أو ثروة أو شهرة أو سلطة، الجميع يقفون بالطريقة نفسها، ويرفعون الأكف نفسها، ويرددون الكلمات نفسها، وكأن البشرية كلها تعود فجأة إلى حقيقتها الأولى بشر ضعفاء يبحثون عن الرحمة.

وربما لهذا السبب تحديدا تلامس هذه الأيام القلب بهذا العمق، لأنها تعيد الإنسان إلى نفسه الحقيقية بعيدا عن الأقنعة التي يضطر لارتدائها كل يوم، ففي زمن صار فيه كل شيء سريعا ومرهقا ومزدحما بالضوضاء، تأتي العشر الأوائل من ذي الحجة كاستراحة روحية نادرة، تقول للإنسان: توقف قليلا، اقترب من الله، لا تجعل العالم يسرق قلبك بالكامل، ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها لا تشترط الكثير كي تمنح الإنسان شعورا عظيما بالقرب من الله، قد يكون عاجزا عن الحج، أو مثقلا بالمشاغل، أو غارقا في مسؤوليات الحياة، لكن أبواب الخير فيها مفتوحة للجميع دون استثناء، تكبيرة صادقة قد ترفع الروح، دعوة خافتة في آخر الليل قد تغير أشياء كثيرة داخل الإنسان، صدقة بسيطة قد تكون سببا في رحمة واسعة لا يراها الآن، وركعتان بخشوع قد تعيدان إلى القلب سلاما افتقده طويلا.

وهنا تكمن عظمة هذه الأيام، أنها لا تقيس الإنسان بما يملك، بل بما يشعر به، وبما يحمله قلبه من صدق ورغبة حقيقية في الاقتراب من الله، وفي الحقيقة فإن الإنسان يحتاج إلى هذه المواسم أكثر مما يظن، نحن نعيش في عالم يستهلك الأعصاب والمشاعر كل يوم، القلق صار جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، الناس يركضون خلف النجاح والمال والمكانة، لكنهم في الداخل يشعرون بفراغ كبير لا يملؤه شيء، ولهذا تأتي المواسم الروحية الكبرى كنوع من الإنقاذ الداخلي.. ليست هروبا من الحياة، بل محاولة لفهمها بشكل أعمق وأكثر هدوءا. فالإنسان حين يقترب من الله لا يبتعد عن الدنيا، بل يصبح أكثر قدرة على احتمالها.

العشر الأوائل من ذي الحجة تذكر أيضا بمعنى مهم جدا نفتقده كثيرا، هو معنى البداية الجديدة، فمهما أخطأ الإنسان، ومهما ابتعد، ومهما أثقلته الأيام بالذنوب أو الخيبات، يبقى باب العودة مفتوحا، وهذه الفكرة وحدها كفيلة بأن تمنح القلب أملا لا ينتهي، كم من إنسان كان يظن أن الطريق انقطع بينه وبين الله، ثم أعادته لحظة صدق في هذه الأيام إلى الطمأنينة من جديد، وكم من قلب أنهكته الحياة، فوجد في التكبير والدعاء والذكر سلاما لم يجده في أي مكان آخر، ولأن هذه الأيام عظيمة إلى هذا الحد، فقد أقسم الله بها في القرآن الكريم، وهو تكريم لا يمنح إلا لما له مكانة خاصة وعظيمة.

كما أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أخبر أن العمل الصالح فيها أحب إلى الله من غيرها من الأيام، لكن الأهم من معرفة الفضائل نفسها هو فهم المعنى الحقيقي وراءها.

فالله لا يريد من الإنسان مجرد طقوس تؤدى بشكل آلي، بل يريد قلبا حيا يشعر ويشتاق ويتغير، فالعبادة في جوهرها ليست عبئا، بل راحة، وليست ثقلا على الروح، بل خلاصا لها من ثقل الدنيا، ولهذا يبدو مشهد التكبير في هذه الأيام مختلفا تماما، حين يسمع الإنسان الناس يرددون: "الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله"، يشعر بأن الكلمات تحمل يقينا أكبر من مجرد أصوات.

كأنها محاولة جماعية لتذكير القلوب بأن الله أكبر من الخوف، وأكبر من الحزن، وأكبر من كل ما يرهق الإنسان في حياته.

في العشر الأوائل من ذي الحجة يعود المعنى الحقيقي للأشياء، تصبح للسكينة قيمة، وللدعاء معنى، وللصلاة طمأنينة مختلفة، وحتى الصمت نفسه يصبح أكثر نقاء، وربما أجمل ما تمنحه هذه الأيام للإنسان هو ذلك الشعور الخفي بأن السماء قريبة جدا، قريبة إلى درجة أن الدعاء يبدو أخف، وأن الدموع تصبح أصدق، وأن القلب يشعر بأنه مفهوم ومسموع مهما عجز عن التعبير، وفي كل عام، ومع اقتراب يوم عرفة تحديدا، تتضاعف هذه المشاعر بشكل يصعب وصفه.

ذلك اليوم الذي يشبه الرحمة المفتوحة على اتساعها، اليوم الذي يقف فيه ملايين البشر على جبل الرحمة، بينما تقف قلوب الملايين في كل مكان متجهة إلى السماء بالدعاء نفسه والرجاء نفسه، ما أعظم أن يشعر الإنسان، ولو للحظات، بأنه ليس وحده في هذا العالم.

بأن هناك ملايين القلوب التي تدعو وتبكي وترجو الله في اللحظة نفسها. وأن الإنسانية كلها تجتمع حول معنى واحد هو طلب الرحمة، وربما لهذا السبب تبقى هذه الأيام حاضرة في الذاكرة حتى بعد انتهائها، لأنها لا تمر على القلب مرور العابرين، بل تترك داخله أثرا عميقا يصعب نسيانه.

وربما ما يمنح العشر الأوائل من ذي الحجة هذا الأثر العميق في النفوس، أنها تأتي في وقت صار فيه الإنسان محاصرا بكل ما يشتته عن نفسه الحقيقية، الحياة الحديثة أخذت من الناس هدوءهم الداخلي، حتى أصبح كثيرون يعيشون بأجسادهم فقط، بينما أرواحهم مرهقة ومؤجلة منذ سنوات، الجميع منشغل بالوصول إلى شيء ما، لكن القليل فقط يسأل نفسه إلى أين يمضي قلبه وسط هذا الزحام.

ومن هنا تبدو هذه الأيام وكأنها دعوة إلهية لاستعادة التوازن المفقود، لا بين الإنسان وربه فقط، بل بينه وبين نفسه أيضا، ففي لحظات الذكر الصادق، يشعر الإنسان بأنه يتحرر قليلا من ضغوط العالم، وأن قلبه يعود أخف وأكثر صفاء.

وفي مشهد الحجيج وهم يطوفون ويسعون ويرفعون الأكف بالدعاء، يدرك المرء أن البشرية رغم كل اختلافاتها ما زالت تجتمع حول حاجة واحدة لا تتغير الحاجة إلى الرحمة والطمأنينة والمعنى. وربما لهذا تبقى هذه الأيام قادرة على لمس القلوب مهما تغير الزمن، لأنها تذكر الإنسان بما نسيه طويلا وسط صخب الحياة أن الروح أيضا تحتاج إلى عناية، وأن أقسى أنواع التعب ليس تعب الجسد، بل ذلك الإرهاق الصامت الذي يصيب القلب حين يبتعد كثيرا عن الله.

الإنسان لا يحتاج دائما إلى معجزات كبيرة كي يتغير.

أحيانا تكفيه لحظة صفاء حقيقية، دعوة خرجت من القلب بصدق.،أو دمعة شعر بعدها بأن الله أقرب إليه مما كان يظن، وفي زمن صارت فيه العلاقات هشة، والمشاعر مستنزفة، والقلوب مزدحمة بالتوتر، تبدو العشر الأوائل من ذي الحجة كأنها فرصة لاستعادة الجانب الإنساني الذي كاد يضيع وسط صخب العالم، هي دعوة لأن يهدأ الإنسان قليلا. أن يسامح. أن يقترب من أهله.

أن يتصدق. أن يخفف قسوة قلبه.

وأن يتذكر أن الحياة أقصر من كل هذا الصراع اليومي الذي يلتهم أعمار الناس دون رحمة، فالعبادات الكبرى لا تصنع فقط علاقة أفضل بين الإنسان وربه، بل تصنع أيضا إنسانا أكثر رحمة واتزانا ونقاء، ومن هنا يمكن فهم السر الحقيقي لعظمة هذه الأيام.

ليست عظمتها فقط في كثرة الأجر والثواب، بل في قدرتها على إعادة ترميم الداخل الإنساني الذي تهدمه الحياة كل يوم.

العشر الأوائل من ذي الحجة تعلم الإنسان أن الروح تحتاج إلى غذاء كما يحتاج الجسد تماما، وأن القلب حين يبتعد طويلا عن الطمأنينة يذبل بصمت، حتى لو بدا من الخارج ناجحا وقويا ومتماسكا، ولهذا فإن أكثر ما يحتاجه الإنسان أحيانا ليس مزيدا من الإنجازات، بل لحظة سلام حقيقية مع نفسه ومع الله، وتبقى هذه الأيام المباركة هدية ربانية تتكرر كل عام، وكأن الرحمة ترفض أن تترك الإنسان وحيدا مهما ابتعد أو انشغل أو أثقلته الحياة، هي أيام تشبه الضوء حين يدخل غرفة مظلمة منذ سنوات.

وتشبه الطمأنينة حين تعود فجأة إلى قلب أنهكه القلق. وتشبه النداء البعيد الذي يذكر الإنسان بحقيقته الأولى مهما غرق في تفاصيل الدنيا، ولهذا كلما أقبلت العشر الأوائل من ذي الحجة، يشعر الإنسان بأن السماء تقترب من الأرض أكثر من أي وقت آخر، وبأن القلب مهما كان متعبا ما زال قادرا على العودة.

الصفحة السابعة من العدد رقم 464 الصادر بتاريخ  21 مايو 2026
تم نسخ الرابط