«خريطة الدم المكسورة »..كيف أفشلت القاهرة مؤامرة التهجير وعجزت نيران لبنان عن تحقيق الحسم؟
- "مهندس الدمار.. هل تحكم عقلية "نيرون" مصير الشرق الأوسط؟"
هناك رجال يمرون في التاريخ تاركين خلفهم قرارات مثيرة للجدل، وهناك رجال يتركون وراءهم حروبًا وأزمات وانقسامات، لكن فئة نادرة من الساسة تتحول إلى رمز لمرحلة كاملة من الاضطراب.
وبالنسبة لكثيرين حول العالم، أصبح بنيامين نتنياهو واحدًا من هؤلاء.
فالرجل الذي قضى سنوات طويلة في الحكم لم يعد يُنظر إليه باعتباره رئيس وزراء لدولة تخوض صراعًا مع جيرانها، بل باعتباره مهندسًا لسياسة تقوم على إدارة المنطقة بالنار، وإعادة تشكيل خرائطها بالدم، وإبقاء شعوبها أسيرة الخوف وعدم الاستقرار.
من غزة التي تحولت إلى عنوان لأكبر مأساة إنسانية في القرن الحادي والعشرين، إلى لبنان الذي لم يكد يلتقط أنفاسه من أزماته المتلاحقة حتى وجد نفسه مجددًا في مرمى النيران، مرورًا بمحاولات فرض وقائع جديدة على المنطقة كلها، يبدو نتنياهو وكأنه يخوض معركته الخاصة ضد الزمن وضد التاريخ وضد أي فرصة لسلام حقيقي.
فكلما اقتربت المنطقة من تسوية، اندفعت نحو مواجهة جديدة، وكلما ظهرت نافذة للحل، أغلقت تحت وقع القصف والدخان.
ولذلك فإن السؤال لم يعد متعلقًا بمصير حرب هنا أو جبهة هناك، بل بمصير نهج سياسي كامل جعل القوة العسكرية بديلًا عن السياسة، وجعل الخراب أداة للتفاوض، وجعل بقاء رجل في السلطة قضية تتجاوز حدود دولته لتؤثر في أمن واستقرار الشرق الأوسط بأسره.
واللافت في شخصية نتنياهو أنه لا يُعامل الحرب باعتبارها استثناءً في مسار السياسة، بل باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لها.
هنا يتراجع مفهوم "السلام" ليصبح مجرد فترة استراحة بين جولتين من العنف، ويتحول مفهوم "الردع" إلى ذريعة دائمة لإعادة إنتاج التوتر.
ومن هذه الزاوية يصبح السؤال عن "متى تتوقف الحرب" سؤالًا ساذجًا إذا لم يُطرح معه السؤال الأعمق: لماذا أصبحت الحرب نفسها شرطًا لاستمرار السياسة؟
في الحالة الإسرائيلية، وبالتحديد داخل المنظومة التي صعد فيها نتنياهو، تشكلت تدريجيًا ثقافة سياسية ترى في الخطر عنصرًا بنيويًا لا يمكن الاستغناء عنه.
الخطر ليس مجرد تهديد خارجي، بل ضرورة داخلية لإعادة إنتاج التماسك السياسي.
وكلما ضعف هذا الخطر أو تراجع، جرى تعويضه بخطر آخر أكثر اتساعًا أو أكثر دراماتيكية.
وبهذا المعنى لم تعد السياسة تدير الأمن، بل أصبح الأمن هو الذي يدير السياسة.
هذا التحول يفسر جانبًا مهمًا من المشهد في غزة، حيث لا تبدو الحرب مجرد رد على حدث عسكري بعينه، بل تبدو امتدادًا لمنطق سياسي يعتبر أن الحسم الكامل ممكن، وأن إنهاء التهديد لا يتحقق عبر التسويات بل عبر إعادة تشكيل الواقع نفسه.
لكن المفارقة أن هذا المنطق، كلما اقترب من محاولة "الحسم"، أنتج عكسه تمامًا، إذ يعيد إنتاج أسباب الصراع بشكل أكثر عمقًا وتعقيدًا.
غزة في هذا السياق ليست فقط ساحة مواجهة، بل نقطة اختبار قصوى لفكرة القوة ذاتها.
فكل أدوات القوة العسكرية الحديثة، رغم تطورها الهائل، تصطدم في النهاية بسؤال بسيط لكنه حاسم: لماذا لا ينتهي الصراع؟ وكلما طال أمد الإجابة، تحولت القوة من أداة حل إلى جزء من المشكلة نفسها.
ومع الوقت، ظهرت داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي - بشكل مباشر أو غير مباشر - أفكار تتجاوز منطق الحرب التقليدية نحو ما يمكن تسميته بمحاولات "إعادة هندسة الواقع الديموغرافي".
هنا يصبح الإنسان نفسه جزءًا من المعادلة العسكرية، وتتحول الجغرافيا من مساحة سيادة إلى مساحة إعادة توزيع قسري للسكان.
الحديث عن التهجير أو الضغط لخلق بيئة طاردة للحياة لا يمكن فصله عن هذا المنطق، حتى لو اختلفت أشكاله أو تباينت درجاته.
لكن هذه الرؤية تصطدم بجدار صلب يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
فهناك بنية إقليمية ترفض ببساطة تحويل الصراع إلى مشروع تفريغ سكاني، وفي مقدمتها الموقف المصري الذي لا ينظر إلى المسألة بوصفها قضية إنسانية فقط، بل باعتبارها تهديدًا مباشرًا لفكرة الاستقرار الإقليمي.
فتهجير غزة لا يعني نقل أزمة من مكان إلى آخر، بل تفجير توازنات كاملة تمتد من سيناء إلى عمق الإقليم العربي.
وفي الخلفية، يتكرر المشهد في لبنان ولكن بصورة مختلفة.
فلبنان ليس ساحة جديدة في الصراع، بل ساحة قديمة تُعاد قراءتها باستمرار.
من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 إلى جولات التصعيد المتكررة، ظل لبنان يُعامل باعتباره مساحة قابلة للاشتعال عند الحاجة، ليس بهدف السيطرة المباشرة، بل بهدف إعادة ضبط قواعد الاشتباك في الإقليم.
غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو تداخل الجبهات بشكل غير مسبوق.
لم تعد غزة معزولة عن لبنان، ولا لبنان منفصلًا عن سوريا، ولا البحر الأحمر بعيدًا عن معادلة الردع.
بل أصبحت المنطقة كلها تعمل كوحدة واحدة من التوترات المتصلة، بحيث إن أي شرارة في مكان يمكن أن تمتد بسرعة إلى أماكن أخرى، وكأن النظام الإقليمي نفسه فقد القدرة على احتواء أزماته داخل حدود جغرافية واضحة.
وسط هذا التشابك، تبرز العلاقة بين نتنياهو والولايات المتحدة بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيدًا.
فالصورة السطحية التي تختزل العلاقة في فكرة "التحكم" أو "النفوذ" لا تعكس الحقيقة كاملة.
العلاقة هنا ليست علاقة تبعية، بل علاقة اندماج مصالح طويلة الأمد، نجح نتنياهو في توظيفها عبر خطاب يربط بين الأمن الإسرائيلي والإستراتيجية الأمريكية في العالم.
لكن هذه المعادلة لم تعد محصنة كما كانت. فالحرب الممتدة في غزة، والصور المتدفقة يوميًا عن حجم الدمار، أعادت فتح نقاش داخل الولايات المتحدة نفسها حول حدود هذا الدعم.
لم يعد السؤال تقنيًا أو سياسيًا فقط، بل أصبح أخلاقيًا وإستراتيجيًا في آنٍ واحد: هل يمكن لدولة تدّعي قيادة النظام الدولي أن تستمر في دعم حرب بهذا الحجم دون تكلفة على صورتها ومكانتها؟
هذا التحول لا يعني انقلابًا في الموقف الأمريكي، لكنه يشير إلى بداية تصدع في الإجماع التقليدي الذي حكم العلاقة لعقود.
ومع تصاعد الضغط الشعبي والإعلامي، يصبح من الصعب الحفاظ على نفس مستوى "الدعم غير المشروط" دون مراجعات تدريجية، حتى لو كانت بطيئة أو غير معلنة.
في قلب هذا المشهد، يبقى نتنياهو نفسه محورًا جدليًا أكثر من كونه مجرد لاعب سياسي. ففلسفته في الحكم تقوم على فرضية بسيطة لكنها شديدة الخطورة: أن القوة يمكن أن تؤجل الحلول السياسية إلى أجل غير مسمى، وأن إدارة الصراع أكثر واقعية من محاولة إنهائه.
غير أن التجربة التاريخية للصراعات الممتدة تقول عكس ذلك تمامًا.
فالصراعات التي لا تُحل سياسيًا لا تتوقف، بل تتحول إلى طبقات متراكمة من العنف، كل طبقة فيها أكثر تعقيدًا من السابقة.
وهنا يظهر التناقض المركزي في مشروع نتنياهو: محاولة استخدام القوة لتقليل التهديدات، بينما تؤدي هذه القوة نفسها إلى توسيع نطاق التهديدات على المدى الطويل.
إنه منطق يبدو فعالًا في المدى القصير، لكنه ينهار تدريجيًا عندما يتحول الزمن إلى عنصر فاعل في المعادلة.
الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يظل محصورًا داخل حدود إسرائيل، بل يمتد إلى الإقليم كله، حيث تصبح كل دولة طرفًا محتملًا في دائرة التوتر، وكل أزمة محلية قابلة للتحول إلى أزمة إقليمية.
ومع تراكم هذه الدوائر، يصبح السؤال الحقيقي ليس عن "إدارة الصراع"، بل عن إمكانية استمرار المنطقة أصلًا في هذا الشكل من الإدارة.
في النهاية، لا يتعلق النقاش بشخص نتنياهو فقط، بل باللحظة التاريخية التي سمحت لصعود هذا النوع من التفكير السياسي.
لحظة تراجعت فيها السياسة لصالح الأمن، وتراجعت فيها الدبلوماسية لصالح القوة، وتراجعت فيها فكرة الحلول لصالح فكرة التأجيل الدائم.
لكن التاريخ لا يعترف بالتأجيل إلى ما لا نهاية.
فكل نظام إقليمي يصل في مرحلة ما إلى نقطة اختبار كبرى: إما إعادة تعريف قواعده، أو الاستمرار في الانزلاق نحو مستويات أعلى من عدم الاستقرار.
والشرق الأوسط اليوم يبدو أقرب إلى هذا الاختبار من أي وقت مضى، حيث لم تعد الأسئلة تتعلق بتفاصيل الصراع، بل بوجود إطار صالح أصلًا لإدارته.
وحين تصبح النار هي اللغة السائدة، لا يعود السؤال عمن أشعلها أهم من السؤال عن كيف يمكن إيقاف منطق الاشتعال نفسه قبل أن يتحول إلى قدر دائم.

- لبنان
- اسرائيل
- الاحتلال
- ثقافة
- البيت الأبيض
- شاب
- قصف
- محمود الشويخ يكتب
- العالم
- غلق
- نـــتــنيـــاهـو
- الدول
- استقرار
- مركز
- سأفعلها بعيدا عن السيسي
- غزة
- النار
- راب
- المصري
- الشرق الأوسط
- مقالات محمود الشويخ
- خريطة الدم المكسورة
- سأفعلها بعيد ا عن السيسي
- قرار
- ملفات
- حكم
- تحقيق
- محمود الشويخ
- أخبار محمود الشويخ
- نقل
- الخطوط الحمراء
- المرحلة
- اول
- مشروع
- شخص
- السيسي
- درة
- ضبط
- طرة
- رئيس
- داخل
- منطقة
- الدواء
- اشتعال
- محور
- كرة
- القاهرة
- عامل
- رجال
- مصر
- مهندس الدمار
- نيرون



