صابر سالم يكتب : من أجل 30 مليون سائح إلى مصر.. روشتة عمل
حين تضع الدولة هدفًا يتمثل في استقبال 30 مليون سائح سنويًا، فإن الأمر لا يتعلق فقط برقم كبير يُضاف إلى الإحصاءات، بل برؤية اقتصادية وتنموية متكاملة يمكن أن تنعكس آثارها على مختلف القطاعات.
فالسياحة ليست مجرد نشاط ترفيهي، وإنما صناعة ضخمة ترتبط بالنقل والطيران والفنادق والمطاعم والتجارة والحرف اليدوية والخدمات، وتوفر ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
ولذلك فإن الوصول إلى هذا الرقم يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي ودعم معدلات النمو الاقتصادي.
والحقيقة أن مصر تمتلك من المقومات السياحية ما يجعل هذا الهدف قابلًا للتحقق.
فقلما تجتمع في دولة واحدة كل هذه العناصر المتنوعة؛ حضارة إنسانية ممتدة لآلاف السنين، وآثار تعد من الأهم والأشهر عالميًا، وشواطئ خلابة على البحرين الأحمر والمتوسط، ومناخ معتدل طوال معظم شهور العام، إلى جانب تنوع ثقافي وجغرافي يمنح السائح عشرات الخيارات والتجارب المختلفة داخل دولة واحدة.
لكن امتلاك المقومات وحده لا يكفي.
فالمنافسة العالمية في قطاع السياحة أصبحت شديدة للغاية، وهناك دول تستثمر مليارات الدولارات سنويًا لجذب السائحين وتحسين تجربتهم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى روشتة عمل واضحة تستند إلى تطوير مستمر واستغلال أمثل لما تملكه مصر من مزايا.
أولى هذه الخطوات تتمثل في زيادة الطاقة الاستيعابية للفنادق والمنشآت السياحية.
فكلما ارتفعت أعداد السائحين أصبحت الحاجة أكبر إلى غرف فندقية جديدة ومنتجعات ومشروعات إقامة متنوعة تناسب مختلف الشرائح.
فالسائح الذي يبحث عن الفخامة يحتاج إلى خيارات، وكذلك السائح متوسط الإنفاق أو الباحث عن الإقامة الاقتصادية. والتنوع هنا عنصر أساسي لضمان جذب أكبر عدد ممكن من الزوار.
الخطوة الثانية ترتبط بقطاع الطيران، الذي يمثل البوابة الأولى لأي مقصد سياحي.
فزيادة الرحلات المباشرة إلى المدن السياحية المصرية، وتوسيع التعاون مع شركات الطيران العالمية ومنخفضة التكلفة، وفتح خطوط جديدة مع الأسواق الواعدة، كلها عوامل تسهم في رفع أعداد السائحين بصورة ملموسة.
فكلما أصبحت مصر أقرب وأسهل في الوصول، زادت قدرتها على المنافسة.
كما أن التسويق السياحي يحتاج إلى مواكبة التطورات العالمية.
فالسائح المعاصر لا يعتمد فقط على الكتيبات أو الإعلانات التقليدية، بل يتخذ قراره بعد مشاهدة الصور ومقاطع الفيديو والتقييمات على المنصات الرقمية.
ولذلك فإن الاستثمار في التسويق الإلكتروني، وإنتاج محتوى احترافي بلغات متعددة، والتعاون مع المؤثرين ومنصات السفر العالمية، أصبح ضرورة وليس رفاهية.
ومن الملفات المهمة أيضًا تحسين تجربة السائح منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته.
فسهولة الإجراءات في المطارات والموانئ، وسرعة الانتقال بين المدن، وتوافر المعلومات والخدمات، وجودة المرافق العامة، كلها تفاصيل تصنع انطباعًا قد يكون حاسمًا في قرار السائح بالعودة مرة أخرى.
وفي عالم اليوم أصبحت التجربة الشخصية للسائح من أقوى أدوات الدعاية والتسويق.
ولا يمكن الحديث عن تطوير السياحة دون التوقف أمام العنصر البشري.
فالعاملون في الفنادق والمطاعم والشركات السياحية ووسائل النقل هم سفراء حقيقيون لمصر أمام ضيوفها.
وكلما ارتفع مستوى التدريب والاحترافية وإجادة اللغات الأجنبية، انعكس ذلك على جودة الخدمة ورضا الزائرين.
كذلك يجب التوسع في الأنماط السياحية غير التقليدية.
فإلى جانب السياحة الثقافية والشاطئية، تمتلك مصر فرصًا كبيرة في سياحة اليخوت، والسياحة البيئية، والسياحة العلاجية، وسياحة المؤتمرات والمعارض، والسياحة الرياضية.
وتنويع المنتج السياحي يضمن جذب شرائح جديدة من الأسواق العالمية ويزيد متوسط إقامة السائح وإنفاقه.
كما أن الحفاظ على المواقع الأثرية وتطويرها بشكل مستمر يمثل عنصرًا رئيسيًا في تحقيق هذا الهدف.
فالسائح الذي يزور مصر يأتي في المقام الأول بحثًا عن تجربة حضارية وإنسانية فريدة.
ولذلك فإن استمرار أعمال الترميم والتطوير وتحسين الخدمات بالمناطق الأثرية والمتاحف يضيف قيمة كبيرة للمنتج السياحي المصري.
ومن المهم أيضًا تعزيز التكامل بين المدن السياحية المختلفة.
فالسائح الذي يزور القاهرة يمكن أن ينتقل بسهولة إلى الأقصر وأسوان أو إلى مدن البحر الأحمر أو الساحل الشمالي، بما يمنحه تجربة متنوعة ويطيل مدة إقامته.
وكل يوم إضافي يقضيه السائح داخل مصر يعني عائدًا اقتصاديًا أكبر وفرصًا أوسع للإنفاق والاستثمار.
إن الوصول إلى 30 مليون سائح ليس مجرد أمنية، بل مشروع وطني يحتاج إلى استمرار العمل بنفس الروح التي أنجزت مشروعات كبرى في البنية التحتية والطرق والمطارات والمدن الجديدة.
ومع توافر الإرادة والتخطيط والاستثمار والتسويق الحديث، يمكن لمصر أن تحقق هذا الهدف خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من مكانتها التاريخية وموقعها الجغرافي الفريد وما تمتلكه من كنوز حضارية وطبيعية لا تتكرر.
وعندما يتحقق هذا الرقم، فإن المكاسب لن تقتصر على زيادة الإيرادات السياحية فقط، بل ستمتد إلى خلق فرص عمل جديدة، وتحفيز الاستثمارات، ودعم الصناعات والخدمات المرتبطة بالسياحة، وتعزيز صورة مصر عالميًا باعتبارها واحدة من أهم المقاصد السياحية على مستوى العالم.
ولهذا فإن طريق الـ30 مليون سائح يبدأ من رؤية واضحة، وعمل متواصل، وإيمان بأن مصر تمتلك كل ما يؤهلها للوصول إلى الهدف الطموح.




