«تمنوا... ولن تمروا»..كيف تفرض مصر "خطوطها الحمراء" أمام أوهام إثيوبيا ومخططات التهجير دون مقايضة ؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- النيل "خط أحمر".. التهجير لن يحدث.. ومن يقترب من الحدود سيحترق 

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بحجم ما تقوله، وإنما بقدرتها على تحويل خطوطها الحمراء إلى سياسات واضحة، ورسائل حاسمة، وأدوات تحفظ مصالحها دون اندفاع أو تهور.

ومصر، وهي تواجه واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في محيطها الإقليمي، تتحرك من هذا المنطلق؛ فلا مجال للمقايضة على السيادة، ولا قبول بتحويل أمنها القومي إلى ورقة تفاوض، ولا سماح بالعبث بمصالحها المائية أو حدودها أو أمنها الإستراتيجي.

في ملف مياه النيل، تدرك الدولة المصرية أن القضية ليست خلافًا فنيًا حول منشأة مائية، ولا نزاعًا عابرًا يمكن حسمه بتبادل البيانات والتصريحات، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بأمن المصريين واستقرار الدولة ومستقبل أجيالها.

ولهذا ظل الموقف المصري ثابتًا في التأكيد أن حق دول حوض النيل في التنمية لا يتعارض مع حق مصر في حماية أمنها المائي، وأن التنمية لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لفرض أمر واقع أو الإضرار بدولة أخرى.

التعامل المصري مع أزمة سد النهضة يقوم على معادلة دقيقة: التمسك بالحقوق، واستنفاد الأدوات السياسية والدبلوماسية، ورفض الإجراءات الأحادية التي تمس مصالح مصر المائية. 

وفي الوقت نفسه، لا تنظر القاهرة إلى إثيوبيا باعتبارها دولة لا يحق لها التنمية، وإنما ترفض أن تكون التنمية على حساب حياة المصريين أو أن يتحول النهر الذي يمثل شريان الحياة لمصر إلى أداة ضغط سياسي.

وهنا تكمن أهمية الموقف المصري؛ فالقوة ليست في إطلاق التهديدات، وإنما في امتلاك الدولة القدرة على حماية مصالحها، مع اختيار التوقيت والأداة المناسبة. 

مصر لا تحتاج إلى الانفعال حتى تثبت أنها جادة، ولا إلى الدخول في معارك كلامية لإثبات قدرتها على الدفاع عن حقوقها.

الرسالة الأهم هي أن الملفات التي تمس وجود الدولة وأمنها القومي لا تخضع للمساومة.

والأمر ذاته ينطبق على الحدود.

فمصر تنظر إلى حدودها باعتبارها جزءًا من سيادتها التي لا يمكن أن تصبح محل تجارب أو مغامرات من أي طرف. 

وفي منطقة تعيش منذ سنوات على وقع الصراعات والحروب والانهيارات الأمنية، تتحرك القاهرة وفق قاعدة واضحة: حماية الحدود المصرية ومنع انتقال الفوضى إليها، مع التعامل مع التطورات الإقليمية باعتبارها تهديدات محتملة يجب احتواؤها قبل أن تتحول إلى مخاطر مباشرة.

ومن هنا يمكن فهم طريقة تعامل القيادة المصرية مع التطورات المحيطة، سواء في غزة أو ليبيا أو السودان أو البحر الأحمر، إذ لا تنفصل هذه الملفات عن بعضها في الحسابات الأمنية المصرية.

فالممرات البحرية، وأمن الحدود، وأمن الملاحة، واستقرار دول الجوار، كلها عناصر مترابطة في منظومة الأمن القومي المصري.

أما في مواجهة التوحش الإسرائيلي، فإن الموقف المصري لا ينطلق فقط من الاعتبارات السياسية، وإنما من إدراك خطورة تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة بلا قواعد. 

مصر، بحكم موقعها ودورها، لا تستطيع التعامل مع ما يجري في الأراضي الفلسطينية باعتباره أزمة بعيدة عنها؛ فاستمرار الحرب، وتوسيع الاستيطان، ومحاولات تغيير الواقع على الأرض، وأي تحرك يستهدف دفع الفلسطينيين إلى خارج أرضهم، كلها تطورات تمس مباشرة الأمن الإقليمي والمصري.

ولهذا كان الرفض المصري لفكرة التهجير واضحًا وحاسمًا؛ لأن تهجير الفلسطينيين لا يعني فقط تصفية القضية الفلسطينية، وإنما يعني أيضًا إعادة رسم خريطة المنطقة بالقوة، وخلق واقع جديد ستكون له تداعيات أمنية وسياسية وإنسانية بالغة الخطورة.

ومصر، التي تحملت على مدار عقود مسؤولية كبيرة في التعامل مع القضية الفلسطينية، تعرف جيدًا أن ترك الأمور بلا ضوابط يعني فتح الباب أمام انفجار أوسع. 

ولذلك فإن الحفاظ على الأرض الفلسطينية، ومنع التهجير، ووقف الاعتداءات، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية عادلة، ليست بالنسبة إلى القاهرة شعارات، وإنما عناصر أساسية في حماية استقرار المنطقة.

وفي هذا السياق، فإن الرسائل المصرية إلى إسرائيل تقوم على أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، وأن امتلاك التفوق العسكري لا يمنح أي دولة الحق في تجاوز حدود الآخرين أو فرض إرادتها على شعوب المنطقة.

فمصر دولة تملك أدواتها، وتعرف حدود مسؤولياتها، لكنها في الوقت نفسه تعرف متى تتحرك وكيف تتحرك.

الخطورة الحقيقية في المشهد الحالي ليست في أزمة واحدة منفصلة، وإنما في تزامن عدة أزمات في وقت واحد: صراع على المياه، وحرب في غزة، وتصعيد في الضفة الغربية، وتوترات في البحر الأحمر، وأزمات ممتدة في دول الجوار.

وهذا التداخل يفرض على مصر أن تتعامل مع المنطقة باعتبارها منظومة أمن قومي واحدة، لا مجموعة ملفات منفصلة.

ومن هنا تأتي صعوبة مهمة القيادة المصرية؛ فهي مطالبة بالحفاظ على المصالح المصرية دون الانجرار إلى حروب مفتوحة، وحماية الحدود دون تحويل المنطقة إلى ساحة صدام دائم، والدفاع عن الحقوق المائية دون قطع الطريق أمام فرص التعاون والتنمية، ودعم القضية الفلسطينية دون السماح بتحويل سيناء إلى بديل عن الدولة الفلسطينية.

المعادلة المصرية في النهاية بسيطة في جوهرها، وإن كانت شديدة التعقيد في تنفيذها: لا عداء للتنمية، لكن لا تنمية على حساب حقوق مصر؛ لا رفض للسلام، لكن لا سلام مع فرض الأمر الواقع؛ لا رغبة في الحرب، لكن لا قبول بالاعتداء؛ لا تدخل في شؤون الآخرين، لكن لا سماح بتهديد الأمن القومي المصري.

ولهذا فإن الحديث عن «الخطوط الحمراء» المصرية لا ينبغي اختزاله في عبارات سياسية أو تصريحات عابرة.

فالدولة التي تخوض هذه الملفات تتحرك وفق حسابات أوسع من اللحظة الراهنة، وتدرك أن بعض القرارات قد تغير شكل المنطقة لعقود.

النيل بالنسبة إلى مصر ليس ورقة تفاوض، والحدود ليست مساحة للمغامرة، والممرات المائية ليست ساحات للعبث، وسيناء ليست بديلًا عن وطن آخر، والسيادة المصرية ليست محل مقايضة.

وفي منطقة اعتادت بعض الأطراف فيها اختبار حدود الآخرين، تبدو الرسالة المصرية الأكثر وضوحًا: يمكن فتح أبواب الحوار، ويمكن البحث عن حلول سياسية، ويمكن التعاون في التنمية، لكن عندما يتعلق الأمر بحقوق الدولة وأمنها القومي وسيادتها، فإن قواعد اللعبة تختلف تمامًا.

فمصر قد تختار الصبر، وقد تمنح الدبلوماسية فرصتها كاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تتعامل مع أمنها القومي باعتباره مساحة مفتوحة للمساومة.

الصفحة الثانية من العدد رقم 477 الصادر بتاريخ 27 أغسطس 2026
تم نسخ الرابط