عاصم سليمان يكتب: مصر والصين.. 70 عاما من الثقة وشراكة تصنع المستقبل

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- الرئيس السيسي وشي جين بينج.. لقاء القمة يجسد عمق الشراكة ويفتح آفاقا جديدة للتعاون الإستراتيجي

- الرئيس السيسي يضع الشراكة المصرية- الصينية على طريق أوسع للتنمية والاستثمار

- مصر بوابة الصين إلى إفريقيا.. وبكين شريك مهم في مسار التنمية المصرية

هناك زيارات رئاسية تمر في سياق الأحداث، وهناك زيارات تحمل في توقيتها ودلالاتها ما يتجاوز حدود اللقاءات الرسمية، وأعتقد أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر ولقاءه بالرئيس عبد الفتاح السيسي تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني، لأنها تأتي في لحظة تحمل خصوصية كبيرة في تاريخ العلاقات بين القاهرة وبكين، بعد سبعة عقود كاملة من العلاقات الدبلوماسية التي بدأت في 30 مايو 1956، حين كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

وأرى أن أهم ما يلفت الانتباه في هذه الزيارة هو أنها لا تبدأ من نقطة الصفر، بل تأتي فوق قاعدة صلبة من التفاهم والثقة والتعاون المتراكم، فالعلاقات المصرية - الصينية لم تكن يوما علاقة فرضتها المصالح الاقتصادية أو المتغيرات السياسية، وإنما كانت على مدار عقود واحدة من أكثر العلاقات استقرارا في المشهد الدولي، قبل أن تنتقل في ديسمبر 2014 إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة خلال زيارة الرئيس السيسي إلى الصين ولقائه الرئيس شي جين بينج.

وهنا تحديدا تظهر قيمة الرؤية السياسية التي تبناها الرئيس السيسي في إدارة علاقات مصر الخارجية، فالقاهرة لم تتعامل مع الصين باعتبارها مجرد قوة اقتصادية كبرى يمكن الاستفادة من استثماراتها، وإنما نظرت إليها كشريك قادر على المساهمة في مسار التنمية المصرية، وكقوة دولية تمتلك رؤية مختلفة لطبيعة النظام العالمي، وهو ما جعل العلاقات بين البلدين تتجاوز التعاون التقليدي إلى شراكة تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والبنية الأساسية والنقل والطاقة والتكنولوجيا والثقافة، إلى جانب التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية.

ولعل السنوات الماضية قدمت دليلا واضحا على أن الشراكة المصرية -الصينية تحولت من العبارات الدبلوماسية إلى مشروعات ومصالح مشتركة على الأرض، وهو ما يجعل زيارة الرئيس شي جين بينج الحالية ذات أهمية مضاعفة، لأنها تأتي في عام الاحتفال بمرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وفي وقت تؤكد فيه قيادتا البلدين الرغبة في الانتقال بهذه العلاقة إلى مستويات أكثر تأثيرا واتساعا.

ومن وجهة نظري، فإن القاهرة تمثل للصين أكثر من مجرد شريك اقتصادي مهم، فمصر تمتلك موقعا إستراتيجيا استثنائيا يجعلها بوابة طبيعية إلى الأسواق العربية والإفريقية، كما أنها تتحرك في دوائر سياسية متعددة وتتمتع بثقل واضح في قضايا المنطقة، وهو ما يمنح التعاون بين البلدين بعدا إستراتيجيا لا يمكن اختزاله في حجم التجارة أو الاستثمارات، وفي المقابل تنظر مصر إلى الصين باعتبارها واحدة من القوى الدولية الأكثر قدرة على دعم مشروعات التنمية ونقل الخبرات والتكنولوجيا وفتح مساحات جديدة للتعاون الاقتصادي، وهذا تحديدا ما جعل لقاء الرئيس السيسي بالرئيس شي جين بينج محملا برسائل تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، فالعالم يتغير بسرعة، وموازين القوة الاقتصادية والسياسية يعاد تشكيلها، والدول التي تمتلك القدرة على بناء شراكات متوازنة ومتعددة الأطراف ستكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وصناعة فرصها، ومصر خلال السنوات الأخيرة قدمت نموذجا واضحا في هذا الاتجاه من خلال سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد.

وأعتقد أن اختيار مصر لتكون محطة مهمة في تحركات الرئيس الصيني يحمل في حد ذاته دلالة سياسية كبيرة، خاصة أن العلاقات بين البلدين بلغت هذا العام عامها السبعين، وهي مناسبة تؤكد أن ما يجمع القاهرة وبكين ليس مجرد توافق مؤقت في المصالح، وإنما مسار طويل أثبت قدرته على الصمود أمام تغيرات الإقليم والعالم، وقد أكد الرئيسان حرصهما على دفع العلاقات إلى آفاق جديدة وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، كما أن البعد الحضاري في العلاقة بين البلدين يستحق التوقف أمامه، فمصر والصين تنتميان إلى دولتين صاحبتين حضارتين عريقتين، وتعرف كل منهما قيمة التاريخ وقوة الثقافة وتأثيرها في تشكيل وعي الشعوب، وربما لهذا السبب لم يقتصر التعاون بين البلدين على السياسة والاقتصاد، بل امتد إلى الثقافة والسياحة والتعليم والتبادل الشعبي، وهو ما يمنح هذه العلاقة بعدا إنسانيا يضمن لها الاستمرار خارج الحسابات السياسية الضيقة.

ومن هنا أرى أن زيارة شي جين بينج إلى القاهرة ليست مجرد استعادة لمشهد سابق جمعه بالرئيس السيسي في يناير 2016، عندما شهدت زيارته الأولى إلى مصر فعاليات مرتبطة بمرور 60 عاما على العلاقات الدبلوماسية وافتتاح العام الثقافي المصري-الصيني، وإنما هي عودة إلى القاهرة بعد عقد كامل تقريبا في لحظة مختلفة تماما، تحمل معها تجربة سبعين عاما من العلاقات ونتائج أكثر من عقد من الشراكة الإستراتيجية، المشهد في تقديري واضح، مصر تريد أن تواصل بناء اقتصاد أكثر انفتاحا على الاستثمارات والشراكات الدولية، والصين تبحث عن شراكات مستقرة وموثوقة في مناطق إستراتيجية، وبين الهدفين مساحة واسعة يمكن أن تحقق مكاسب حقيقية للطرفين، ولذلك فإن الرهان الحقيقي بعد هذه الزيارة سيكون على تحويل الزخم السياسي إلى مزيد من المشروعات والاستثمارات والتعاون التكنولوجي والصناعي، وعلى أن تصبح الشراكة المصرية- الصينية أكثر ارتباطا باحتياجات التنمية المصرية وأولويات الاقتصاد الوطني، إنني أرى أن زيارة الرئيس شي جين بينج إلى مصر تأتي في توقيت شديد الأهمية، لأنها تضع سبعين عاما من العلاقات أمام فرصة جديدة للانطلاق، وتؤكد أن القاهرة وبكين لا تنظران إلى الماضي باعتباره مجرد سجل من الذكريات، وإنما باعتباره قاعدة لبناء المستقبل، وبين الحضارتين المصرية والصينية مساحة واسعة من الاحترام والثقة والمصالح المشتركة، وإذا كانت العلاقات قد نجحت في عبور سبعة عقود بهذه القوة، فإن التحدي الحقيقي الآن هو أن يتحول هذا الرصيد التاريخي إلى شراكة أكثر تأثيرا في التنمية والاقتصاد والسياسة، بما يخدم مصالح الشعبين ويعكس المكانة التي وصلت إليها العلاقات المصرية- الصينية.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 478 الصادر بتاريخ 3 سبتمبر 2026
تم نسخ الرابط