مهرجانات «بير السلم» تقتل الفن
- "دكاكين الوهم" تغتال الإبداع وتستنزف القوى الناعمة.. وكل من "هب ودب" يصبح الأفضل
- جوائز «بالجملة» وشهادات بلا معايير.. مهرجانات عشوائية تمنح الألقاب وتضلل الجمهور
- نجوم من ورق يتصدرون المشهد.. وأصحاب الموهبة يدفعون ثمن الفوضى
- فوضى بلا ضوابط.. العبث بالمشهد الفني يهدد قيمة الثقافة المصرية
لا يوجد شىء فى مجتمعنا أكثر غرابة من تلك المهرجانات التى تقام واحدا تلو الآخر، فقد عادت هذه الظاهرة لتطل برأسها من جديد، وتثير الجدل والقلق في الأوساط الفنية والثقافية، هذه الظاهرة التي يحلو لى أن أطلق عليها "مهرجانات بير السلم" أو "مهرجانات "السبوبة" تتخذ من الفن والثقافة ستارا لتحقيق أغراض شخصية، باتت تشكل تهديدا حقيقيا للمشهد الفني، وتساهم في تدهور الذوق العام، وتشويه صورة الفن والثقافة.
هذه المهرجانات الوهمية هي فعاليات تدعي أنها فنية وثقافية، ولكنها في الحقيقة لا تتعدى كونها تجمعات لا تمتلك أي قيمة فنية أو ثقافية حقيقية، فهي تستغل أسماء كبار الفنانين والمبدعين، وتروج لنفسها على أنها منصة لتكريم صناع أحدث الأعمال الفنية، ولكنها في الواقع لا تقدم أي إضافة حقيقية للمشهد الفني، وللحق فإن هذه الظاهرة لها أثر سلبى على الساحة الفنية حيث تساهم المهرجانات الوهمية في تدهور الذوق العام، وتقدم تنظيما ومحتوى رديئًا لا يرتقي إلى مستوى الطموحات الفنية، مما يؤدي إلى تشويه مفهوم الفن لدى الجمهور، كما تستغل هذه المهرجانات أسماء كبار الفنانين والمبدعين، مما يشوه صورتهم ويقلل من مكانتهم الفنية، وتخلق المهرجانات الوهمية منافسة غير شريفة مع المهرجانات الحقيقية، مما يؤدي إلى إضعاف دور هذه المهرجانات وحرمان الجمهور من الفعاليات الفنية الحقيقية، كما أنها تستنزف الكثير من الوقت والجهد والمال، دون تقديم أي مردود فني أو ثقافي، وتشجع هذه المهرجانات على إنتاج أعمال فنية رديئة لا تستحق العرض، مما يؤدي إلى تراجع مستوى الإنتاج الفني بشكل عام.
ولعل من أهم أسباب انتشار المهرجانات الوهمية الرغبة في تحقيق مكاسب سريعة، إذ تسعى بعض الجهات إلى تحقيق مكاسب مالية سريعة من خلال التنظيم الفني أو الثقافي، كما يسعى البعض إلى تحقيق الشهرة الزائفة من خلال تنظيم هذه المهرجانات، دون امتلاك أي مؤهلات فنية أو ثقافية، أيضا غياب الرقابة الفعالة على هذه المهرجانات يشجع على انتشارها وتكاثرها، كما يسهل على المنظمين خداع الجمهور وتسويق هذه المهرجانات على أنها مهرجانات فنية حقيقية.
وللأسف، فإن عصر وسائل التواصل الاجتماعي قد زاد الطين بلة، حيث أصبح بإمكان أي شخص، مهما كانت كفاءته الفنية، أن يصنع لنفسه هالة من الشهرة عبر هذه المنصات، فمن خلال الحملات التسويقية المدفوعة والإعلانات المستهدفة، يمكن لهذه المهرجانات الوهمية أن تخلق زوبعة إعلامية ضخمة، وتروج لنفسها على أنها حدث فني ضخم، بينما هي في الحقيقة لا تعدو كونها فقاعة صابون سرعان ما تنفجر، تلك المهرجانات تستغل قوة وسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعلومات المغلوطة، وتضخيم الأحداث الصغيرة لتبدو أكبر مما هي عليه، فهم يخلقون جماهير وهمية من المتابعين والمشتركين، ويستخدمون هذه الجماهير للتأثير على الرأي العام، وفرض أجنداتهم الخاصة، وبالتالي، فإننا نشهد اليوم ظاهرة غريبة، حيث يتم الاحتفاء بـ "نجوم" لا يمتلكون أي موهبة حقيقية، ولا يساهمون بأي شكل من الأشكال في تطوير المشهد الفني."
إن هذه الحيلة التسويقية الذكية، التي تعتمد على استغلال نقاط ضعف البشر ورغبتهم في الشهرة والاعتراف، تهدد بتشويه مفهوم النجاح الفني، وتحويله إلى مجرد لعبة أرقام ومتابعين، فبدلا من التركيز على الجودة الفنية والإبداع، أصبحنا نركز على الكم والضجة الإعلامية، مما يؤدي إلى تدهور الذوق العام، وتشجيع الإنتاج الفني الرديء، ولعل أخطر ما في الأمر هو أن هذه المهرجانات الوهمية تستهدف الشباب، الذين هم أكثر عرضة للتأثير من قبل وسائل التواصل الاجتماعي، فهي تقدم لهم نماذج مشوهة للنجومية، وتزرع في أذهانهم فكرة أن الشهرة يمكن تحقيقها بسهولة وبسرعة، دون الحاجة إلى بذل أي جهد أو امتلاك أي موهبة حقيقية، ولعل كثيرين يتساءلون كيف لأصحاب الإبداع أن يقعوا في فخ هذه الفعاليات التي يتم الترويج لها عبر قنوات مشكوك في مصداقيتها؟! إن هذا الأمر يعكس حالة من الارتباك والبحث عن أي نوع من التكريم، حتى لو كان على حساب الكرامة الفنية، لقد استغلت منصات التواصل الاجتماعي هذه الظاهرة، حيث أصبحت وسيلة للترويج لهذه المهرجانات الوهمية، وتسويق فكرة التكريم الرخيص والفوري.
وإحقاقا للحق لابد من وجود حلول فورية لمواجهة هذه الظاهرة التى توغلت بشكل كبير لذا أعتقد أنه لابد من تشديد الرقابة، فيجب على الجهات المعنية تشديد الرقابة على تنظيم المهرجانات، والتأكد من أنها تستوفي المعايير الفنية والثقافية المطلوبة، كما يجب توعية الجمهور بأهمية دعم المهرجانات الفنية الحقيقية، وكيفية التمييز بين المهرجانات الحقيقية والمهرجانات الوهمية، أيضا يجب دعم المبدعين الحقيقيين وتوفير المنصات المناسبة لعرض أعمالهم، وتشجيع التعاون بين المؤسسات الفنية المختلفة لتبادل الخبرات والمعرفة، وتنظيم فعاليات فنية مشتركة، وسن قوانين رادعة ضد المنظمين الذين ينظمون مهرجانات وهمية، وتغليظ العقوبات عليهم، فظاهرة تكريم الفنانين في مهرجانات وهمية هي ظاهرة خطيرة تهدد مصداقية الوسط الفني بالكامل، بل تهدد مصداقية الصناعة نفسها، ويجب على الفنانين أن يكونوا حذرين ويختاروا بعناية الفعاليات التي يشاركون فيها، كما يجب على المؤسسات الثقافية والجماهير أن يتحملا مسؤوليتهما في دعم الفن الحقيقي ومكافحة الظواهر المزيفة، وقد يتساءل الكثيرون عن الدوافع التي تدفع بعض الفنانين للمشاركة في هذه المهرجانات، قد يكون بعضهم يبحث عن الشهرة السريعة، أو عن فرصة للترويج لأعماله، أو ببساطة بسبب الجهل بطبيعة هذه الفعاليات، ولكن مهما كانت الأسباب، فإن المشاركة في مثل هذه المهرجانات تقلل من قيمة الفنان وإنجازاته، ويتحمل الفنانون والفنانات مسؤولية كبيرة في الحفاظ على كرامتهم الفنية، فهم مطالبون بالتحري عن أي فعالية فنية قبل المشاركة فيها، والتأكد من مصداقيتها وقيمتها الفنية.
أحذر وأؤكد: هذه المهرجانات الوهمية تهديد حقيقي للمشهد الفني والثقافي، وتتطلب تضافر الجهود لمواجهتها، من خلال تشديد الرقابة عليهم، وتوعية الجمهور، ودعم المبدعين الحقيقيين، للحفاظ على هويتنا الثقافية وحماية الفن من التشويه.




