عاصم سليمان يكتب: الرئيس السيسي يفتتح منتدى «العلمين- إفريقيا للأعمال».. رؤية مصرية لتعميق الشراكة الاقتصادية في القارة

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- الرئيس السيسي يضع التكامل الاقتصادي والشراكات الاستثمارية في صدارة الرؤية المصرية تجاه إفريقيا

- مصر تفتح مسارات جديدة للتعاون الإفريقي عبر الاستثمار والتنمية والشراكات الاقتصادية

- القطاع الخاص شريك رئيسي في تحويل الإمكانات الإفريقية إلى مشروعات وفرص تنموية

هناك مشاهد لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد فعاليات سياسية أو اقتصادية عابرة، لأنها تحمل في تفاصيلها معنى أوسع من الحدث نفسه، ومن بين هذه المشاهد افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي الدورة الأولى من منتدى «العلمين – إفريقيا للأعمال» بمدينة العلمين الجديدة، في حضور عدد من القادة والمسؤولين الأفارقة، ورؤساء المؤسسات المالية والاقتصادية، وقيادات مجتمع الأعمال من داخل القارة وخارجها، وهو مشهد يعكس في جوهره مساحة واسعة من الاهتمام المصري بالقارة الإفريقية، وبمستقبلها الاقتصادي، وبقدرتها على بناء شراكات أكثر اتساعا وتأثيرا خلال السنوات المقبلة. 

وأعتقد أن أهمية هذا المنتدى لا تتوقف عند كونه فعالية اقتصادية تستضيفها مصر، وإنما تمتد إلى الفكرة التي يقوم عليها، فالدورة الأولى جاءت ثمرة لمبادرة مصرية أقرها الاتحاد الإفريقي في قمته الأخيرة خلال فبراير 2026، على أن يعقد المنتدى بصورة دورية كل عامين في مدينة العلمين، بالتعاون بين الحكومة المصرية ومفوضية الاتحاد الإفريقي ووكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية أودا – نيباد والبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، وهو ما يمنح الحدث بعدا قاريا واضحا ويضعه في إطار مؤسسي يتجاوز حدود المناسبة إلى مسار مستمر للتعاون الاقتصادي. 

ولفتني خلال الافتتاح أن الرئيس لم يتعامل مع المنتدى باعتباره مناسبة للحديث عن مصر وحدها، بل وضع القارة الإفريقية في قلب المشهد، وتحدث عن رؤية تتجاوز الحسابات الضيقة نحو مفهوم أوسع للتنمية والشراكة، مؤكدا أن مصر كانت دائما من الدول الداعمة للرؤى والمبادرات الهادفة إلى تحقيق التنمية في إفريقيا، وأنها لم تدخر جهدا في إطلاق ودعم المبادرات التنموية والاقتصادية بالقارة، انطلاقا من ارتباطها الإفريقي وإيمانها بأن نهضة القارة وازدهار شعوبها هدف يستحق العمل من أجله. 

وهنا تحديدا تبدو قيمة الرسالة التي حملها افتتاح الرئيس للمنتدى، فالقارة الإفريقية لا تحتاج فقط إلى المزيد من المؤتمرات واللقاءات، وإنما تحتاج إلى تحويل مساحات الحوار إلى فرص حقيقية للاستثمار والتجارة والإنتاج، وإلى بناء شراكات قادرة على الانتقال من الحديث عن الإمكانات إلى الاستفادة الفعلية منها، وهذا ما يجعل التركيز على القطاع الخاص في المنتدى أمرا بالغ الأهمية، خاصة أن الرئيس السيسي أشار بوضوح إلى أن القطاع الخاص يمثل المحرك الأكبر في اقتصادات القارة، وهو ما يضع رجال الأعمال والمؤسسات المالية أمام دور مباشر في صناعة فرص النمو والتنمية.

والأهم أن منتدى «العلمين – إفريقيا للأعمال» لا يطرح التنمية باعتبارها ملفا منفصلا عن الاستقرار والتعاون، وإنما يتحرك في اتجاه بناء بيئة تسمح بتوسيع التجارة البينية، وتحفيز الاستثمار، ودعم المشروعات التنموية، وتوفير التمويل، وفتح المجال أمام القطاعات الاقتصادية الواعدة والشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهي ملفات تمثل في مجموعها جانبا مهما من احتياجات الاقتصادات الإفريقية في المرحلة الراهنة. 

ولعل من أكثر ما يستحق التوقف أمامه أن المنتدى يضع القطاع الخاص الإفريقي في مساحة مباشرة للحوار مع قادة الدول والمؤسسات المالية، بما يفتح المجال أمام مناقشة التحديات التي تواجه الاستثمار والتجارة، والبحث عن شراكات عابرة للحدود، وهو اتجاه يمكن أن يمنح العلاقات الاقتصادية الإفريقية مساحة أكبر من الحركة، خصوصا أن كثيرا من فرص النمو في القارة ترتبط بقدرة الدول على الربط بين الإمكانات المتاحة وبين رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والأسواق. 

ومن زاوية أخرى، فإن الحضور المصري في هذا المشهد يأتي متسقا مع الدور الذي تؤديه القاهرة داخل المؤسسات والتجمعات الإفريقية، خاصة أن استضافة المنتدى تتزامن مع مجموعة من الفعاليات القارية التي تستضيفها مدينة العلمين الجديدة، ومن بينها قمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية أودا – نيباد، إلى جانب الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الإفريقي، بما يمنح هذه الأيام زخما سياسيا واقتصاديا متصلا ويضع مصر في مركز مجموعة من النقاشات المتعلقة بمستقبل القارة، ولا يمكن أيضا تجاهل أن المنتدى شهد مشاركة رفيعة المستوى تضم رؤساء دول إفريقية وكبار المسؤولين، إلى جانب رؤساء ومديري مؤسسات مالية دولية وإقليمية وقادة القطاع الخاص من إفريقيا ومختلف أنحاء العالم، وهو ما يوسع دائرة النقاش من العلاقات الحكومية التقليدية إلى مساحة أكثر ارتباطا بحركة الاقتصاد والاستثمار والقطاع الخاص، وهي مساحة تبدو ضرورية إذا كانت القارة تسعى إلى زيادة قدرتها على الاستفادة من مواردها البشرية والطبيعية وأسواقها الواسعة، إن افتتاح «العلمين – إفريقيا للأعمال» يبعث برسالة واضحة عن أهمية أن يكون التعاون الاقتصادي في قلب العلاقات الإفريقية، وأن يكون القطاع الخاص شريكا حقيقيا في صناعة التنمية، وأن تتحول القارة من مجرد سوق واعدة إلى مساحة متكاملة للإنتاج والاستثمار والتجارة، ومصر من خلال استضافتها للدورة الأولى للمنتدى تفتح مساحة لهذا الحوار على أرض العلمين الجديدة، بينما يضع الرئيس السيسي أمام الحضور رؤية تقوم على التكامل والشراكة وتحقيق أهداف أجندة إفريقيا 2063، لتصبح العلمين مرة أخرى شاهدة على حدث جديد، لكن هذه المرة ليس على صفحة من صفحات التاريخ العسكري، وإنما على نقاش إفريقي واسع حول الاقتصاد والتنمية ومستقبل الشعوب.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 483 الصادر بتاريخ 8 أكتوبر  2026
تم نسخ الرابط