محمد فودة يحيي الذكرى الثانية والعشرين لرحيل «قاهرة المستحيل» ويكتب:
د. سعاد كفافي.. أصحاب الرسالات لا يرحلون
- 22 عاما على الرحيل.. وإرثها العلمي لا يزال يصنع المستقبل ويقود الحلم
- قاهرة المستحيل.. كتبت اسمها في تاريخ التعليم المصري بمشروع تجاوز حدود الزمن
- جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.. الصرح الذي جسد رؤيتها وحمل رسالتها عبر الأجيال
- خالد الطوخي يواصل حمل الأمانة ويحفظ إرث والدته برؤية تواكب المستقبل
- الطوخي.. قيادة تحافظ على الجذور وتدفع الجامعة نحو آفاق جديدة من التطور والريادة
- خالد الطوخي.. امتداد لرؤية مؤسسة آمنت بأن التعليم يصنع الأوطان
- من أكتوبر إلى الأقصر.. مسيرة البناء تتواصل وفاء لرؤية لا تزال تصنع المستقبل
في ذكرى رحيل الدكتورة سعاد كفافي الثانية والعشرين، أجد نفسي محاطا بمشاعر عميقة من الامتنان والإعجاب، بتلك السيدة التي كانت رمزا للعزيمة والإصرار، فبعض الأشخاص لا يقاس حضورهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما تركوه من أثر يمتد عبر الزمن، حتى يصبح الغياب مجرد حقيقة إنسانية لا تستطيع أن تمحو ما صنعته الأيدي أو ما رسخته العقول، والدكتورة سعاد كفافي كانت واحدة من هؤلاء الذين تجاوزوا حدود العمر، لأنهم اختاروا أن يكتبوا أسماءهم في سجل الباقين بأعمالهم، لا في صفحات الراحلين.

وفي الذكرى الثانية والعشرين لرحيلها، لا نستعيد مجرد سيرة شخصية صنعت نجاحا استثنائيا، وإنما نستحضر تجربة وطنية آمنت بأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع يمكن أن يقدمه فرد لوطنه، لقد رحلت صاحبة الرؤية، لكن الرؤية نفسها ما زالت تنبض بالحياة، تكبر مع كل دفعة جديدة من الخريجين، وتتجسد في كل إنجاز تحققه جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، لتؤكد أن الأفكار العظيمة لا تعرف الغياب، وأن الرسائل الصادقة تعيش أطول من أصحابها.
لم تكن الدكتورة سعاد كفافي من أولئك الذين يبحثون عن نجاح شخصي أو مكانة اجتماعية، بل كانت صاحبة مشروع متكامل، أدركت مبكرا أن الأمم لا تبنى بالشعارات، وإنما بالعلم، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في الإنسان، ومن هنا جاءت رحلتها، رحلة لم تكن سهلة، لكنها كانت مليئة بالإيمان والإصرار والعمل، حتى أصبحت نموذجا ملهما لكل من آمن بأن الإرادة الصلبة قادرة على تحويل أكثر الأحلام جرأة إلى واقع يراه الجميع.
وعندما نتأمل مسيرة الدكتورة سعاد كفافي، ندرك أننا لا نتحدث عن مؤسسة تعليمية أو جامعة خاصة، بل عن رؤية سبقت عصرها، وعن عقل امتلك القدرة على قراءة المستقبل في وقت كانت فيه كثير من الأفكار تبدو بعيدة المنال، ففي مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم يكن الحديث عن التعليم الجامعي الخاص يحظى بالقبول الذي نعرفه اليوم، وكانت التجربة لا تزال محاطة بالكثير من التساؤلات والتحديات، لكن أصحاب الرؤى الكبيرة لا ينتظرون اكتمال الظروف، بل يصنعونها بأنفسهم، وهذا ما فعلته الدكتورة سعاد كفافي، حين قررت أن تخوض واحدة من أكثر المغامرات جرأة في تاريخ التعليم المصري الحديث.
اختارت مدينة السادس من أكتوبر لتكون نقطة الانطلاق، في وقت كانت المدينة نفسها لا تزال تخطو خطواتها الأولى نحو التوسع العمراني، وكأنها أرادت أن يكبر الحلم مع المكان، وأن تتشكل ملامح الصرح العلمي بالتوازي مع نمو المدينة التي احتضنته، وفي عام 1990، وضعت اللبنة الأولى بإطلاق المعهد العالي للسياحة والفنادق، مدركة أن مصر، بما تمتلكه من حضارة ومقومات سياحية، تحتاج إلى كوادر مؤهلة تمتلك المعرفة والخبرة، وتسهم في دعم أحد أهم قطاعات الاقتصاد الوطني، لم يكن القرار مجرد تأسيس معهد جديد، بل كان تعبيرا عن رؤية تربط بين التعليم ومتطلبات التنمية، وبين الدراسة الأكاديمية واحتياجات سوق العمل، وبعدها واصلت المشروع بثقة أكبر، فأطلقت المعهد العالي للهندسة المعمارية وإدارة الأعمال عام 1993، لتؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من إعداد الكفاءات القادرة على قيادة قطاعات البناء والإدارة والاقتصاد، وأن التعليم المتخصص هو حجر الأساس في بناء المجتمعات الحديثة.
كانت خطواتها مدروسة، لكنها لم تكن خالية من الجرأة، فقد كانت تدرك أن بناء مؤسسة تعليمية محترمة لا يتحقق بإنشاء المباني فقط، وإنما يبدأ ببناء الفكرة، وترسيخ القيم، ووضع معايير لا تسمح بالتراجع مهما كانت التحديات، وجاءت المحطة الأهم في عام 1996، عندما أعلنت تأسيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، لتصبح واحدة من أوائل الجامعات الخاصة في مصر، ولتفتح صفحة جديدة في تاريخ التعليم الجامعي، لم تكن الجامعة بالنسبة للدكتورة سعاد كفافي مجرد مؤسسة تمنح الشهادات، بل كانت مشروعا وطنيا يحمل رسالة واضحة، تقوم على إعداد أجيال تمتلك المعرفة، وتستطيع المنافسة، وتؤمن بأن العلم هو الطريق الحقيقي نحو التقدم، ومنذ اليوم الأول، وضعت معايير صارمة للجودة الأكاديمية، رافضة أن يكون التعليم الخاص بديلا أقل جودة من التعليم الحكومي، بل كانت تؤمن بأن المنافسة الحقيقية تبدأ من مستوى التعليم، ومن كفاءة أعضاء هيئة التدريس، ومن تحديث المناهج بصورة مستمرة، وربطها بما يشهده العالم من تطورات متلاحقة، ولهذا حرصت على استقطاب نخبة من الأساتذة والخبراء، وأنشأت منظومة تعليمية تجمع بين الانضباط الأكاديمي والانفتاح على التجارب الدولية، حتى أصبحت الجامعة خلال سنوات قليلة اسما يحظى بالاحترام والثقة داخل مصر وخارجها.

ولأنها كانت تؤمن بأن الجامعة لا تقتصر على قاعات الدراسة، أولت اهتماما كبيرا ببناء بيئة تعليمية متكاملة، يكون الطالب فيها محور العملية التعليمية، ويجد كل ما يساعده على الإبداع والابتكار وصقل شخصيته، لتتحول الجامعة إلى مجتمع علمي متكامل، لا مجرد مؤسسة تمنح المؤهلات، ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية آمنت بأن جودة التعليم لا تنفصل عن جودة البيئة التي تحتضنه، وأن الاستثمار في الإنسان يبدأ بتوفير كل الأدوات التي تساعده على التفكير والبحث والإبداع.
ومن أبرز الشواهد على فلسفة الدكتورة سعاد كفافي في بناء المعرفة، اهتمامها بإنشاء مكتبة مركزية حديثة، لم تكن بالنسبة لها مجرد مبنى يضم آلاف الكتب، بل كانت القلب النابض للجامعة، والعقل الذي يغذي الباحثين والطلاب بكل ما يحتاجون إليه من مصادر علمية ومعرفية، وحرصت على أن تضم المكتبة أحدث المراجع العلمية والدوريات المتخصصة وقواعد البيانات الحديثة، إيمانا منها بأن الجامعة التي لا تمتلك مكتبة قوية، لا تستطيع أن تصنع باحثا حقيقيا أو عالما قادرا على الإضافة.
وكانت تؤمن بأن المعرفة لا تقف عند حدود المحاضرة، بل تبدأ منها، ثم تمتد إلى البحث والاكتشاف والاطلاع المستمر، ولهذا أصبحت المكتبة واحدة من أهم المكونات التي ميزت جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا منذ سنواتها الأولى، كانت تؤمن بأن الجامعة التي تنجح في صناعة الإنسان، تستطيع أن تصنع مستقبلا مختلفا لوطنها، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقول، لأنها الثروة الوحيدة التي تزداد قيمتها كلما أحسن المجتمع رعايتها.

ولم يكن الطريق الذي سلكته الدكتورة سعاد كفافي مفروشا بالورود، بل كان مليئا بالعقبات التي واجهت كل فكرة جديدة في ذلك الوقت، فالتعليم الجامعي الخاص كان تجربة لا تزال في بدايتها، وكانت النظرة إليه يحيط بها كثير من التحفظ، إلى جانب تحديات إدارية وتشريعية وتنظيمية احتاجت إلى قدر كبير من الصبر والحكمة والإصرار، غير أن شخصيتها القيادية صنعت المستحيل فقد امتلكت قدرة استثنائية على تحويل العقبات إلى فرص، وكانت تتعامل مع كل تحدٍ باعتباره خطوة جديدة نحو التطوير، لا سببا للتراجع أو التوقف، ولم تكن تؤمن بالحلول المؤقتة، ولا بالنجاح السريع، بل كانت ترى أن المؤسسات الكبرى تبنى بصبر طويل، وأن الإنجازات الحقيقية تحتاج إلى رؤية واضحة ونفس لا يعرف اليأس، ولهذا، كانت حاضرة في كل التفاصيل، تتابع بنفسها العملية التعليمية، وتناقش الأفكار، وتستمع إلى المقترحات، وتحرص على أن تظل الجامعة وفية للمعايير التي وضعتها منذ اليوم الأول.

ولعل أكثر ما ميزها أنها جمعت بين قوة القائد ودفء الأم، كانت حازمة عندما يتعلق الأمر بالجودة والانضباط، لكنها في الوقت نفسه كانت قريبة من طلابها وأعضاء هيئة التدريس والعاملين، تستمع إليهم، وتشعر بهم، وتتعامل معهم بروح إنسانية تركت أثرا عميقا في نفوس كل من عرفها، وعندما رحلت الدكتورة سعاد كفافي، لم يكن المشهد مجرد وداع لشخصية أكاديمية بارزة، بل كان وداعا لواحدة من أهم الشخصيات التي أسهمت في إعادة رسم ملامح التعليم الجامعي الخاص في مصر، لكن السنوات أثبتت أن أصحاب الرسالات لا يرحلون بالمعنى الحقيقي، فالمؤسسات التي تؤسس على قيم راسخة تستمر، والأفكار التي تبنى على الإخلاص لا تموت، والإنجازات التي تخدم الإنسان تتحول مع الوقت إلى جزء من ذاكرة الوطن.
وبعد اثنين وعشرين عاما على رحيلها، تبدو الدكتورة سعاد كفافي أكثر حضورا من أي وقت مضى، حضورها يتجسد في كل طالب يعبر بوابة الجامعة، وفي كل باحث يجد داخلها بيئة تشجعه على الإبداع، وفي كل طبيب أو مهندس أو صيدلي أو إعلامي أو متخصص تخرج في هذا الصرح، وانطلق ليؤدي دوره في خدمة وطنه، لقد أصبحت الجامعة أكبر شاهد على أن الأفكار الصادقة لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تبدأ رحلة جديدة، عنوانها الاستمرار والبناء والتطور.
ويواصل خالد الطوخي، رئيس مجلس أمناء جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، حمل الأمانة التي تركتها والدته، مستندا إلى القاعدة الصلبة التي أرستها، ومؤمنا بأن الحفاظ على نجاح أي مؤسسة لا يتحقق بالاكتفاء بما تحقق، وإنما بالسعي الدائم إلى التطوير ومواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم الجامعي في العالم.

ومن هذا المنطلق، شهدت الجامعة خلال السنوات الأخيرة خطوات تطوير متلاحقة، شملت تحديث المعامل والقاعات الدراسية، والتوسع في استخدام أحدث التقنيات التعليمية، وتعزيز التعاون مع جامعات ومؤسسات أكاديمية مرموقة داخل مصر وخارجها، بما يسهم في توفير تجربة تعليمية أكثر تطورا، ويمنح الطلاب فرصا أوسع للاحتكاك بالخبرات الدولية، كما أولت الجامعة اهتماما متزايدا بالبحث العلمي، ووسعت مشاركتها في المشروعات البحثية والابتكارية التي تخدم المجتمع، إلى جانب تطوير البرامج الأكاديمية بما يتواكب مع متطلبات التحول الرقمي والثورة الصناعية الرابعة، لتظل محافظة على قدرتها التنافسية، وعلى المكانة التي رسختها عبر سنوات طويلة من العمل الجاد.
ولم يكن هذا التطوير انفصالا عن فلسفة الدكتورة سعاد كفافي، بل جاء امتدادا مباشرا لها، فالفكرة التي انطلقت قبل أكثر من ثلاثة عقود كانت تقوم على أن التعليم مشروع متجدد لا يعرف التوقف، وأن المؤسسة الناجحة هي التي تراجع نفسها باستمرار، وتبحث عن آفاق جديدة للنمو دون أن تتخلى عن هويتها وقيمها.
وفي إطار هذه الرؤية، تواصل الجامعة تنفيذ خططها التوسعية، سواء داخل مقرها بمدينة السادس من أكتوبر، أو من خلال مشروع إنشاء فرعها الجديد في مدينة الأقصر، بما يعكس إيمانا راسخا بأن الرسالة التي بدأت قبل سنوات طويلة ما زالت تمتلك القدرة على الوصول إلى آفاق أوسع، وخدمة شرائح أكبر من الطلاب في مختلف أنحاء الجمهورية.
قد يرحل أصحاب الأحلام، لكن الأحلام الكبيرة لا ترحل معهم، لأنها تتحول مع مرور الوقت إلى واقع يعيشه الناس كل يوم. وهذا ما فعلته الدكتورة سعاد كفافي، التي لم تترك وراءها مباني أو منشآت فحسب، بل تركت مدرسة في الفكر والإدارة، ورسخت مفهوما مختلفا لدور الجامعة، باعتبارها مؤسسة تصنع الإنسان قبل أن تمنحه الشهادة.
رحم الله الدكتورة سعاد كفافي، وجعل كل طالب تعلم في مؤسساتها، وكل باحث نهل من علمها، وكل إنجاز تحقق على أرض هذا الصرح الأكاديمي، في ميزان حسناتها، فبعد اثنين وعشرين عاما على الرحيل، مازالت سيرتها تكتب كل يوم، لا بالحبر، وإنما بما يحققه أبناؤها وتلاميذها ومؤسساتها من نجاحات، لتبقى شاهدة على أن أصحاب الرسالات لا يغيبون، وأن الأثر الصادق هو العمر الحقيقي للإنسان.

- المصري
- النجاح
- الفن
- سعاد كفافى
- جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
- عون
- الدول
- امن
- مركز
- تجدد
- مكتبة
- داخل
- البحث
- تعرف
- محافظ
- الراب
- شخص
- سوق
- محور
- مدرسة
- مشروع
- اجتماع
- فنادق
- المشروعات
- التعليم المصرى
- العقبات
- التحفظ
- قرار
- سيدة
- راب
- قاهرة المستحيل
- طلبات
- اكتشاف
- الحب
- الطلاب
- ثورة
- الجامعة
- حكم
- العالم
- مدرس
- اقتصاد
- الاستثمار
- طالب
- التعليم
- درة
- الاقتصاد
- مقر
- ادا
- الغياب
- جامعة خاصة
- طلاب
- الأقصر
- جامعة
- جامعة مصر
- عامل
- حلون
- روح
- خالد الطوخى
- محمد فودة
- مصر
- كرة



