محمد فودة يكتب: حقوق العملاء.. خط أحمر

الشورى

- بعد توجيهات الرئيس السيسي الحاسمة.. لا مكان للمماطلة في سوق العقارات

- مراجعة شاملة لالتزامات المطورين.. وانضباط السوق يبدأ من احترام حقوق المواطنين

- شركات متعثرة في الالتزام تلاعبت بما فيه الكفاية.. وحان وقت المحاسبة

- إنهاء سياسة طرح المشروعات البراقة قبل الوفاء بالالتزامات السابقة لآلاف الأسر

- الحملات الإعلانية المضللة تفقد بريقها.. والواقع يفضح فجوة الوعود والتنفيذ

تابعت باهتمام توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن ملف التطوير العقاري، وتحديدا توجيهه بإجراء مراجعة شاملة من أجهزة الدولة المختلفة مع المطورين العقاريين، للتأكد من وفائهم بالتزاماتهم تجاه المواطنين، مع التأكيد على اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للحفاظ على حقوق العملاء في حال عدم الالتزام بمواعيد التنفيذ والتسليم المتفق عليها، ووجدت أن هذه التوجيهات جاءت في توقيت بالغ الأهمية، لأنها تضع يدا مباشرة على واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين المواطن وشركات التطوير العقاري، وهي احترام التعاقدات والالتزام بما تم الاتفاق عليه.

الرئيس عبد الفتاح السيسي

وللحق فإن الرسالة هذه المرة واضحة ولا تحتمل التأويل، السوق العقاري ليس مساحة مفتوحة للاجتهادات أو الوعود التي يمكن تأجيلها بلا نهاية، والمواطن الذي دفع مدخراته واشترى وحدة على أساس موعد محدد للتسليم، من حقه أن يرى ما اتفق عليه يتحول إلى واقع، لا أن يجد نفسه أمام سلسلة متكررة من التأجيلات والمبررات والتفسيرات التي لا تنتهي.

ولقد عانى بعض العملاء لسنوات طويلة من ممارسات لم تكن تليق بحجم الأموال التي يتم ضخها في السوق العقاري، سواء من خلال التأخر في مواعيد التسليم، أو عدم وضوح بعض الالتزامات، أو التعامل مع شكاوى العملاء بمنطق أن المواطن هو الطرف الأضعف وعليه أن ينتظر ويتحمل، بينما تستمر الشركة في الإعلان عن مشروعات ومراحل جديدة، قبل أن تنتهي من التزاماتها السابقة.

وأقولها بوضوح، لقد حان الوقت لكي تنتهي هذه الفوضى، وهنا لا أتحدث عن شركات التطوير العقاري الجادة التي تعمل وفق خطط واضحة وتلتزم بتعاقداتها وتحافظ على اسمها وثقة عملائها، فهذه الشركات هي التي تستحق الدعم وتستحق أن تكون نموذجا للسوق، لكن المشكلة كانت دائما في بعض الشركات التي تعاملت مع السوق بمنطق مختلف، ووجدت في ارتفاع الطلب فرصة لزيادة المبيعات دون أن يكون الالتزام بمواعيد التنفيذ والتسليم على الدرجة نفسها من الاهتمام، والسوق العقاري لا يمكن أن يستقيم بمنطق البيع فقط، وإنما بمنطق المسؤولية أيضا، فالشركة التي تحصل على أموال العميل مقابل وحدة سكنية أو مصيفية، لا تبيع له مجرد مساحة أو مجموعة من المتر المربع، وإنما تبيع له وعدا زمنيا وتعاقدا والتزاما، وهذا الوعد يجب أن يكون له وزن حقيقي، لأن المواطن عندما يوقع العقد يبني حساباته وخططه وحياته على ما ورد فيه.

ومن هنا أرى أن تدخل الرئيس السيسي في هذا الملف يمثل خطوة مهمة للغاية، لأنه ينقل قضية التزام المطورين من مجرد شكاوى فردية متفرقة إلى إطار أكثر جدية يقوم على المراجعة والمتابعة وحماية الحقوق، والأهم أن الرئيس لم يكتف بالتوجيه نحو مراجعة الموقف، وإنما أكد اتخاذ الإجراءات القانونية للحفاظ على حقوق العملاء حال عدم الالتزام.

وهذه النقطة تحديدا تحمل رسالة قوية إلى الجميع، الدولة تدعم الاستثمار والتطوير العقاري، وتدرك تماما أهمية هذا القطاع في الاقتصاد المصري، لكنها في الوقت نفسه لن تسمح بأن يكون دعم الاستثمار على حساب حقوق المواطن، فالمعادلة العادلة واضحة، مطور جاد يلتزم ويحصل على ثقة السوق، وعميل يحصل على حقه في الموعد المتفق عليه، ودولة تراقب وتضع القواعد وتحاسب من يخرج عليها.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد تغيرا حقيقيا في طريقة تعامل الشركات مع بنود العقود، لأن العقد ليس مجرد ورقة يتم توقيعها عند البيع، ثم تصبح بعض بنوده قابلة للتأجيل أو التفسير وفقا لظروف الشركة، وإنما هو الإطار الذي يحكم العلاقة بين الطرفين، واحترامه يجب أن يكون قاعدة لا استثناء، كما أن على الشركات أن تدرك أن سمعتها الحقيقية لا تصنعها الحملات الإعلانية ولا حجم الإعلانات ولا أسماء المشروعات الجديدة، وإنما تصنعها قدرتها على الوفاء بما وعدت به عملاءها، فثقة المواطن هي رأس المال الأهم لأي مطور، وخسارتها قد تكون أكبر بكثير من أي مكسب سريع تحققه الشركة من بيع مرحلة جديدة.

وأتصور أن توجيهات الرئيس السيسي تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في السوق العقاري، عنوانها الانضباط والشفافية وربط الوعود بالتنفيذ، وهي مرحلة يحتاجها السوق بشدة حتى يستعيد التوازن بين حقوق المطورين وحقوق العملاء.

إنني أرى أن تدخل الرئيس السيسي المباشر في هذا الملف يستحق التقدير، لأنه انحاز بوضوح إلى حق المواطن دون أن يضعف في الوقت نفسه أهمية الاستثمار والتطوير، وإنما يسعى إلى ضبط العلاقة بين الطرفين على أساس واضح وعادل، فالرسالة الأهم التي خرجت من هذه التوجيهات في رأيي هي أن الدولة تريد سوقا عقاريا قويا، لكن ليس سوقا بلا ضوابط، وتريد مطورين ناجحين، لكن النجاح الحقيقي يبدأ من احترام العميل، وتريد مشروعات جديدة، لكن الأهم أن يتم الوفاء بالالتزامات القديمة.

تم نسخ الرابط