صابر سالم يكتب: السياحة المصرية.. من التعافي إلى صناعة الأرقام القياسية

صابر سالم - صورة
صابر سالم - صورة أرشيفية

حين نتحدث عن إنجازات السياحة المصرية خلال السنوات الأخيرة، فإننا لا نتحدث عن موسم ناجح أو زيادة عابرة في أعداد الزائرين، وإنما عن قطاع نجح في تغيير مساره والوصول إلى مستويات قياسية، في وقت تعيش فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا.

الأرقام هنا هي أفضل شاهد؛ فقد استقبلت مصر خلال عام 2025 نحو 19 مليون سائح، وهو أعلى مستوى مسجل، وبزيادة بلغت 21% مقارنة بعام 2024، في الوقت الذي قدر فيه متوسط نمو السياحة العالمية بنحو 5% فقط.

والأهم أن الزخم لم يتوقف مع بداية 2026؛ إذ وصل عدد السائحين خلال الفترة من يناير وحتى أغسطس إلى 12.7 مليون سائح، مقابل 12.2 مليون خلال الفترة نفسها من العام السابق، بينما بلغت الإيرادات السياحية خلال الأشهر الثمانية الأولى نحو 12 مليار دولار.

هذه الأرقام تعني أن السياحة المصرية لم تعد في مرحلة استعادة ما فقدته خلال سنوات الأزمات، وإنما انتقلت بالفعل إلى مرحلة البحث عن أرقام أكبر وحصة أوسع من حركة السياحة الدولية.

وربما كان الإنجاز الأهم هو نجاح مصر في تنويع خريطتها السياحية.

فالقاهرة والأقصر وأسوان لم تعد وحدها في الصورة، والغردقة وشرم الشيخ لم تعودا وحدهما عنوان السياحة الشاطئية، بعدما دخل الساحل الشمالي والعلمين بقوة إلى الأسواق الدولية.

وخلال 2025 وحده ارتفعت حركة الطيران العارض إلى المقاصد المصرية بنسبة 32%، بينما سجلت مدينة العلمين الجديدة نموًا استثنائيًا بلغ 450% في حركة الطيران العارض، كما استقبلت المقاصد المصرية رحلات سياحية قادمة من 193 مدينة حول العالم.

وفي الوقت نفسه استعادت السياحة الثقافية قوة دفع هائلة؛ فقد استقبلت المواقع الأثرية والمتاحف المصرية 18.6 مليون زيارة من السائحين الأجانب خلال 2025، باستثناء المتحف المصري الكبير والمتحف القومي للحضارة المصرية، بزيادة بلغت 33.5% عن العام السابق.

ثم جاء المتحف المصري الكبير ليضيف إلى القاهرة واحدًا من أهم المنتجات الثقافية الجديدة.

ولم يكن افتتاحه مجرد حدث أثري، وإنما استثمار سياحي ضخم يعيد تقديم الحضارة المصرية للعالم بصورة مختلفة، ويربط المتحف بمنطقة الأهرامات ضمن تجربة سياحية متكاملة.

ولا يمكن فصل هذه النتائج عن التوسع في البنية الأساسية والطاقة الفندقية.

ففي 2026 وصل عدد الفنادق قيد الإنشاء في مصر إلى 185 فندقًا تضم نحو 46 ألف غرفة، مقابل 109 فنادق و26.2 ألف غرفة فقط في 2024، بما يعكس حجم الاستثمارات التي تتحرك لاستيعاب الطلب السياحي المتزايد.

كما تتحرك الدولة لتسهيل تجربة الوصول نفسها، من خلال تطوير منظومة التأشيرة الإلكترونية، والعمل على تقليل زمن الإجراءات في المطارات، وتبسيط إجراءات التأشيرات الاضطرارية والتأشيرة عند الوصول، بالتوازي مع توسعات المطارات وزيادة الطاقة الفندقية.

واللافت أن المؤسسات الدولية ترى مساحة لمزيد من النمو؛ فتقرير حديث لـBMI التابعة لـFitch Solutions يتوقع وصول عدد السائحين إلى نحو 20.19 مليون سائح خلال 2026، ثم الاقتراب من 23.8 مليون بحلول 2030، مع توقع وصول الإيرادات إلى نحو 21.15 مليار دولار في ذلك العام.

ومع ذلك، فإن الإنجاز الحقيقي لا ينبغي قياسه بعدد السائحين فقط، وإنما بقدرة مصر على تحويل كل زيادة في الحركة إلى عائد اقتصادي أكبر، وفرص عمل أكثر، واستثمارات جديدة، ومدة إقامة أطول وإنفاق أعلى للسائح.

لقد امتلكت مصر دائمًا ما يجعلها واحدة من أعظم المقاصد السياحية في العالم؛ حضارة لا ينافسها أحد، وبحران، وشواطئ، وصحراء، ونيل، ومدن تاريخية، وسياحة دينية وثقافية وترفيهية.

الجديد هو أن هذه المقومات بدأت تتحول بصورة أكثر وضوحًا إلى منتج سياحي متنوع قادر على المنافسة.

ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس نهاية رحلة نجاح السياحة المصرية، بل ربما يكون بداية المرحلة التي تستطيع فيها مصر تحويل كنوزها التي امتلكتها منذ آلاف السنين إلى قوة اقتصادية تتناسب أخيرًا مع حجم ما تملكه من مقومات.

الصفحة السادسة من العدد رقم 483 الصادر بتاريخ 8 أكتوبر  2026
تم نسخ الرابط