«دولة لا تناور بالنار ولا تبتز بالأزمات».. كيف تتحرك القاهرة لوقف حرب يوم القيامة بين أمريكا وإيران؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- ماذا حدث في أخطر اتصال بين السيسي ورئيس إيران ؟ وماذا سيفعل أردوغان في زيارة هامة لمصر؟

- لماذا قال ترامب: دعونا نستمع للسيسي.. إنه زعيم محترم؟

في لحظات التاريخ الفاصلة، لا تتحرك الدول بالعاطفة، بل بالعقل البارد، ولا تقاس الأدوار بحجم الضجيج، بل بوزن التأثير.

والمنطقة الآن تقف على حافة نار حقيقية، حرب إذا اشتعلت لن تترك دولة بمنأى عن شظاياها، ولن تفرق بين خصم وحليف.

بين واشنطن وطهران يقف الشرق الأوسط كله حابسًا أنفاسه، وفي القلب من هذا المشهد تقف مصر، لا كمتفرج قلق، بل كطرف يسعى لإنقاذ الإقليم من الانزلاق إلى الهاوية.

مصر تدرك أن أي مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لن تكون حربًا تقليدية محدودة، بل زلزالًا إستراتيجيًا يمتد من الخليج إلى المتوسط، ويعيد رسم خرائط النفوذ والاقتصاد والطاقة والأمن.

لذلك، كان التحرك المصري مبكرًا، هادئًا، محسوبًا، يعتمد على ما راكمته الدولة من مصداقية سياسية وعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وهو ما جعل القاهرة قادرة على مخاطبة الجميع دون أن تُحسب على معسكر ضد آخر.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يتحرك في هذا الملف من منطلق واضح: لا حرب في المنطقة، ولا مصلحة لأحد في إشعالها. هذا الموقف لم يكن شعارًا إعلاميًا، بل سياسة عملية تُدار عبر قنوات مفتوحة واتصالات مباشرة ورسائل شديدة الوضوح.

وفي أخطر توقيت، جاء الاتصال مع الرئيس الإيراني ليعكس هذه الرؤية، اتصال حمل لغة التحذير بقدر ما حمل لغة النصح، وأكد أن التصعيد لن يخدم أحدًا، وأن المنطقة لم تعد تحتمل مغامرات جديدة تُدفع كلفتها من دماء الشعوب واستقرار الدول.

ما قاله السيسي في هذا الاتصال لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل رسالة إستراتيجية: مصر لن تسمح بانفجار شامل، وتملك من العلاقات والأدوات ما يؤهلها للعب دور الوسيط العاقل.

القاهرة تحدثت مع طهران بمنطق الدولة التي تفهم طبيعة النظام الدولي، وتعرف خطوطه الحمراء، وتدرك أن الصدام مع واشنطن لن ينتهي بانتصار أحد، بل بخسارة الجميع.

في المقابل، لم يكن التحرك المصري بعيدًا عن واشنطن.

الإدارة الأمريكية، رغم لهجتها الصلبة أحيانًا، تعلم جيدًا أن الشرق الأوسط لا يُدار بالقوة وحدها، وأن هناك لاعبًا إقليميًا إذا تحدث يجب أن يُستمع إليه.

من هنا جاء تصريح دونالد ترامب اللافت: "دعونا نستمع للسيسي.. إنه زعيم محترم".

هذه الجملة لم تأتِ من فراغ، ولم تكن مجاملة عابرة، بل اعتراف بدور سياسي متراكم، وبقدرة القاهرة على قراءة المشهد بعيدًا عن الانفعال.

ترامب، الذي يجيد لغة الصفقات، يدرك أن مصر تمثل نقطة توازن نادرة، دولة لا تناور بالنار، ولا تبتز بالأزمات، بل تبحث عن حلول تحفظ مصالح الجميع.

الاستماع للسيسي، في هذا السياق، يعني الاستماع إلى صوت العقل في منطقة اعتادت الأصوات العالية.

ويعني أيضًا أن واشنطن تعلم أن أي تسوية أو تهدئة حقيقية لا يمكن أن تمر دون الدور المصري.

التحرك المصري لا يقتصر على خط واشنطن – طهران فقط، بل يمتد إلى محيط إقليمي أوسع، حيث تتقاطع الملفات وتتداخل المصالح.

من غزة إلى سوريا، ومن البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، تدرك القاهرة أن الحريق إذا اشتعل في نقطة، فسرعان ما يمتد إلى الجميع.

لذلك، كان من الطبيعي أن تتحرك مصر على أكثر من مسار في وقت واحد، بهدوء ودون استعراض.

في هذا السياق، تأتي زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة كحدث يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي إلى دلالات إستراتيجية عميقة.

الزيارة ليست عادية، ولا تأتي في وقت عادي.

إنها زيارة في لحظة تاريخية حساسة، تعيد ترتيب العلاقات بين دولتين كبيرتين في الإقليم، وتفتح باب التنسيق في ملفات شديدة التعقيد.

أردوغان يأتي إلى القاهرة وهو يعلم أن مصر اليوم ليست كما كانت قبل سنوات، دولة مستقرة، ذات نفوذ إقليمي متنامٍ، ورؤية واضحة لما يجب أن يكون عليه شكل المنطقة.

والملفات المطروحة على الطاولة ليست قليلة: ليبيا، غزة، شرق المتوسط، والعلاقة مع القوى الكبرى. والأهم، كيفية منع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا رابح فيها.

القاهرة، من جانبها، تنظر إلى هذه الزيارة باعتبارها فرصة لإعادة ضبط الإيقاع الإقليمي، وخلق مساحات مشتركة تمنع الفراغ الذي تسعى قوى أخرى لملئه بالفوضى.

مصر لا تبحث عن تحالفات مؤقتة، بل عن تفاهمات طويلة الأمد تحمي الاستقرار وتقلل من فرص الصدام.

في كل هذه التحركات، يظهر خيط واحد واضح: مصر تتحرك بمنطق الدولة الكبيرة التي تعرف وزنها، وتعرف حدود قوتها، وتعرف متى تستخدمها.

لا تهدد، لا تلوّح، لكنها تتحدث بثقة، وتتحرك بثبات.

وهذا ما يجعل دورها مقبولًا لدى أطراف متناقضة المصالح، لأن الجميع يعلم أن القاهرة لا تسعى لمكسب على حساب اشتعال المنطقة.

الرهان المصري في هذه المرحلة ليس سهلًا، لكنه ضروري. وقف حرق المنطقة يتطلب صبرًا سياسيًا، وقدرة على إدارة التناقضات، واستعدادًا لتحمل الضغوط.

ومصر، بقيادة السيسي، اختارت هذا الطريق الصعب، لأن البديل كارثي.

البديل هو شرق أوسط مشتعل، واقتصادات منهارة، وحدود مفتوحة على الفوضى.

من هنا، فإن ما تفعله القاهرة اليوم ليس مجرد دبلوماسية، بل مهمة إنقاذ حقيقية.

إنقاذ للمنطقة من نفسها، ومن جنون القوة، ومن حسابات خاطئة قد تجر الجميع إلى المجهول. والتاريخ، كعادته، لن يتذكر من صرخ أكثر، بل من منع الكارثة قبل وقوعها.

في لحظة تختلط فيها الأصوات، تبقى مصر صوت العقل، وتبقى القاهرة غرفة عمليات سياسية تسعى لإطفاء النيران قبل أن تلتهم الجميع.

وربما لهذا السبب، قال ترامب ما قاله، وربما لهذا السبب، تتجه العيون إلى القاهرة، لا انتظارًا لمعجزة، بل ثقة في دولة تعرف كيف تحمي المنطقة عندما يعجز الآخرون.

الصفحة الثالثة من العدد رقم 450 الصادر بتاريخ  5 يناير 2026
تم نسخ الرابط